اصبحت موسكو احدى العواصم التي يذهب اليها، مسؤولون لبنانيون، وقادة احزاب، وفعاليات سياسية، ولا تستقبل لوناً حزبياً او سياسياً واحداً، كما في زمن الاتحاد السوفياتي، اذ كانت العلاقة محصورة بالحزب الشيوعي وحلفاء له، وفتحت صداقة مع الشهيد كمال جنبلاط كرئيس للحزب التقدمي الاشتراكي ومؤسس الحركة الوطنية اللبنانية.

اما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، واعتماد النظام الجديد على «الغلاسنوست» (الانفتاح)، والذي اسس له الرئيس السابق ميخائيل غورباتشوف، فان الاتحاد الروسي الجديد، لجأ الى اسلوب الحوار مع الجميع، وتخلى عن «القطبية الآحادية» في العلاقة مع طرف سياسي واحد، اذ لم يعد الحزب الشيوعي في لبنان معتمده السياسي، ولم يعد الحزب التقدمي الاشتراكي حليفه شبه الوحيد، حيث بات الحزب الديموقراطي اللبناني برئاسة النائب طلال ارسلان يزور روسيا ويقيم علاقات معها، كما نسجت السفارة الروسية في لبنان، علاقات ايضاً مع الامين العام لحركة النضال اللبناني العربي النائب السابق فيصل الداوود، الذي افتتح مركزاً ثقافياً روسياً في راشيا.

هذه العلاقة التعددية الروسية هي التي تعتمدها القيادة في الكرملين، والتي تقوم على تأمين مصالح الدولة الكبرى في لبنان، كما في المشرق العربي والعالم العربي، ونجحت هذه السياسة، من خلال ديبلوماسية دينامية متحركة، نجح بها وزير الخارجية سيغني لافروف، ووضعت روسيا على خارطة العالم، بعد ان اسقطت الآحادية الاميركية في العالم، التي لجأت اليها ادارة الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الأب، بعد سقوط النظام الشيوعي في روسيا، وفق ما يكشف خبير في الشؤون الدولية، واطلاع على الوضع الروسي، اذ يشير الى ان موسكو تدرس ملفاتها جيداً، وتفتش عن مصالحها الحيوية، وهي لا تنافس في مكان الا انطلاقاً مما يعيد مشاريعها، فهي في سوريا، لانها تقوم معاهدة معها، ولها قاعدة بحرية في طرطوس، وانشأت اخرى جوية في حميميم، على البحر الابيض المتوسط، الذي كان حلم روسيا منذ عهود القياصرة، ان تصل الى المياه الدافئة.

وفي لبنان، فان روسيا، تنظر اليه دولة لها صداقات فيه، وهي على مسافة واحدة من الجميع، ولا تنافس دول على النفوذ، وفق الخبير الذي ينقل عن القيادة الروسية، بانها لا تنافس اميركا او فرنسا اول دول اخرى فيه، فهي تعرف جيداً، الصراع عليه منذ القرن الثامن عشر، وكانت روسيا احدى الدول السبع، التي شاركت في حكم القناصل، ولكن حصتها كانت طائفة الروم الاورثوذكس، التي يدين الشعب الروسي لها وفيها بطريركية اساسية، وهي احضرت بوارجها الى الشاطىء اللبناني، وحطت في محيط «السان جورج»، واقامت فيه حوضاً لسفنها.

فالعلاقة الروسية ـ اللبنانية قديمة، حيث تؤكد موسكو بانه سيبقى لها حضورها السياسي وصداقاتها، ولا تقدم مبادرة معينة لحل الازمة السياسية والدستورية القائمة، وهي مهتمة بالاوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية المتردية فيه، والفقر والجوع اللذين اصابا غالبية الشعب اللبناني، الذي تسانده موسكو، وفق الخبير الذي يكشف بان زيارة الرئيس سعد الحريري الى روسيا، كانت استطلاعية منه، لمعرفة موقفها منه، وما يمكن ان تساعده في تشكيل الحكومة، بحيث ابلغته، انها تدعم ترؤسه للحكومة، وان عليه ان يتساهل مع مطالب القوى السياسية، من خلال تعاون مشترك، لا تتمترس خلف مواقف شعبوية، يظن كل طرف سياسي، انها تخدم مصالحه، لكنها تضر باللبنانيين.

لذلك، فان موسكو على موعد لقادة احزاب وتيارات سياسية، للاستماع اليها، وما تحمله من افكار، لكن القيادة الروسية، لديها مطلب واحد، هو التوافق الداخلي، يقول الخبير المطلع على الموقف الروسي، الذي يؤكد دائماً على ضرورة الحفاظ على الاستقرار في لبنان، مذكراً بالمبادرة التي قامت بها موسكو منذ حوالى اكثر من عامين، بشأن عقد مؤتمر دولي للنازحين السوريين، ووضع آلية لعودتهم الآمنة، وتم تشكيل لجنة مشتركة في هذا الشأن، وذهب وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية، قبل اكثر من شهرين وحضر مؤتمر دولي حول النازحين، دعت اليه روسيا، وعارضته اميركا وحاولت افشاله، ولم تنجح، اذ تكفي المساعدة في عودة النازحين، ليخف العبء المالي عن لبنان، اذ بلغت كلفة النزوح السوري بحدود 35 مليار دولار، لم تسدد له الدول المانحة، الا نحو عشرة مليارات، اذ يشدد هذا الخبير على ان موسكو مهتمة بلبنان، ولديها مصالح اقتصادية فيه، تتعلق بأن شركة «نوفاتك» الروسية تقوم بالتنقيب عن النفط والغاز كما توجد مصلحة للبنان بتعزيز علاقته مع روسيا، التي تنقب احدى شركاتها عن النفط والغاز في البلوك رقم واحد السوري المتداخل مع البلوكين 1 و2 في المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وسوريا، التي تقضم نحو 750 كلم2 من المياه البحرية اللبنانية.

ان روسيا العريقة بعلاقتها مع لبنان، والتي لم تغب عنه، وحضرت فيه باشكال متعددة، وهي لا تنظر اليه، بانه مساحتها الوحيدة، بل هي احدى الشركاء فيه، واصبح يعنيها كونه الحديقة الخلفية لسوريا، وتربطه حدود مشتركة معها، وان الحضور العسكري الروسي، ليس عابراً في سوريا، بل هو خط دفاع عن روسيا بوجه الارهاب.