لكنها ليست كافية على المدى البعيد... فما العمل؟

لقد رفع الدعم فعلياً منذ أن أعلن ترشيده! هذا ما حصل فعلياً على الأرض وليس في حسابات مصرف لبنان. فمنذ إعلان ترشيد الدعم تهافت التجار والباعة وحتى بعض المواطنين إلى تخزين المواد المدعومة، إما لتحقيق هامش ربح أكبر وبالتالي احتكارها، وإما للإستفادة من سعرها قبل رفع الدعم.

في بلد يعاني من أزمة إقتصادية حادة كلبنان يصبح رفع الدعم من الحتميات، خصوصاً وأن هذا الامر هو أحد شروط صندوق النقد الدولي للإقراض، كونه يفضل أن تذهب الأموال باتجاهات أخرى لتحفيز ورفع الناتج المحلي حتى ولو كان ذلك على حساب الفئات التي تتأثر بشكل كبير عند رفع الدعم، وهو ما حصل فعلياً في تركيا ومصر والأردن وغيرها العديد من دول المنطقة والعالم.

إذاً، رفع الدعم الكلي آت لا محل، وما تقوم به الحكومة اللبنانية هو شراء الوقت لتأجيل الإنفجار الإجتماعي فقط لا غير، وليس سياسات حكيمة أو هادفة.

من قلب هذا الظلام برز مشروع البطاقة التمويلية المخصصة للعائلات الأكثر فقراً دون سواها كخطة لما يسمى بترشيد الدعم وتخصيصه لمن هم بحاجة إليها فعلياً، كون إستمرار الدعم الجزئي على سعر 3900 لبعض المواد حالياً يشهد هدرا ولا يطال الفئات الأكثر عوزاً، خصوصاً مع عجز الدولة الكلي عن لجم التهريب.

فهل ينجح مشروع البطاقة التمويليةخصوصاً مع الورقة التي أصدرها المجلس الإقتصادي الإجتماعي مؤخراً والتي تتضمن برنامج عمل وإطار زمني لرفع الدعم الكلي؟ وإذا نجح من سيطال؟ وكيف سوف يتم تحديد الفئات المستهدفة في أعقاب تجربة مماثلة شابها الكثير من العيوب عندما تم توزيع 400 ألف ليرة لبنانية لبعض العائلات، وكان هناك العديد من الشكاوى عن إستنسابات حزبية وتضارب في احصاءات لوائح العائلات الأكثر فقراً لدى دوائر الدولة المختصة؟

لمحاولة إيجاد بعض الإجابات الواضحة، قامت «الديار» بالإتصال باستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميريكية في بيروت والمشرف على مرصد الأزمةناصر ياسين، الذي أكد أن أي دعم عادة ما يتم من خلال خزينة الدولة وليس من خلال المصرف المركزي حصراً، والإعتماد عليه كلياً أمر غير منطقي خصوصاً وأن إستخدام الإحتياطي المركزي هو أمر مخالف لقانون النقد والتسليف، وبالتالي هكذا أمر هو ضرب من اللامنطق واللاقانون. بمعنى أخر، خزينة الدولة مفلسة وسياسات الدعم المتبعة هي سياسات مشوهة يتم تطبيقها في ظل إنقسام سياسي حاد يضيع أي فرصة ممكنة لإيجاد خطة إنقاذ واضحة تسمح بإطلاق مفاوضات مع أي جهة من الجهات المانحة.

وشدد ياسين علىأنه مطروح حالياً رفع الدعم عن السلع المستوردة بشكل مدعوم من مصرف لبنان على سعر ١٥٠٠ بشكل تدريجي وعلى مراحل بإستثناء القمح الذي سوف يبقى مدعوماً كونه أساسي وكون كلفة دعمه غير مرتفعة. يترافق مع هذا الرفع، إصدار بطاقة نقدية (لا تمويلية ولا تموينية، تصحيحاً للفظ) لما قُدر بـ٧٠٪ من الأسر اللبنانية المقيمة (ما يوازي ٧٠٠٬٠٠٠ عائلة لبنانية وفق طلبات يتم تقديمها). أما فيما يتعلق بالمبلغ، يوكد ياسين أن النقاش تم حول مبلغ ٨٠ إلى ١٠٠ دولار ولكن لم يتم البت فيما إذا كان سوف يدفع بالدولار أم بالليرة وفق سعر غير رسمي.

وعن تمويل هذه البطاقة، يقول أنه يمكن أن يتم عبر منح أو قروض ميسرة كقرض البنك الدولي مع وزارة الشؤون الإجتماعية، أو ضمن سلة مساعدات، وقد يكون جزء من التمويل من مصرف لبنان نفسه كون رفع الدعم سوف يقلل من المدفوعات المتوجبة عليه. ياسين أكد أنه من غير المقبول أن تكون البطاقة مجرد وعد دون تنفيذ، لا بل يجب أن تنطلق فوراً بالتوازي مع رفع الدعم وإيقاف السلة الغذائية التي لم تحقق أي نجاح يذكر، خصوصاً أنه من غير الواضح حتى اللحظة ما سوف تقوم به الحكومة لإطلاق هذه البطاقة.

أما عن تحديد المستفيدين، يشير ياسين الى أن هذا التفصيل حاز على الكثير من النقاش، ولكن فعلياً يتوجب أن يتم حصر هذه العملية بوزارة واحدة والقيام به بشكل موحد خصوصاً مع وجود مشروعين، احدهما قدمته وزارة الشؤون بالتعاون مع البنك الدولي والذي يقضي باختيار الأسر بناءً على عملية تحديد اوضاعها الإجتماعية، أي أنه يستهدف الفقراء حصراً وفق معايير معينة، بينما المشروع الأخر المطروح من وزارة الإقتصاد ورئاسة مجلس الوزراء يشمل دعم عدد أكبر من المستفيدين بهدف إمتصاص تأثير رفع الدعم. وعن عمر هذه البطاقة، يؤكد ياسين أن هكذا نوع من المساعدات لا يجب أن يتخطى السنتين حتى يتم تفعيل برنامج موحد لدعم الأسر كنوع من البرامج التضامنية حيث تتوحد قاعدة البيانات ومعايير إختيار المستفيدين، بالإضافة إلى إنشاء سجل إجتماعي يتم ربطه ببطاقة الهوية.

من ناحيته، أكد الخبير الإقتصادي في «الاسكوا» الدكتور خالد أبو إسماعيل أن آلية إختيار المستفدين من البطاقة التموينية يجب أن تبدأ من دعوة الأسر التي تعتبر نفسها من الأسر المحتاجة إلى دعم إلى تقديم طلبات لدى وزارة الشؤون الإجتماعية ، ومن ثم يجب التحقق من هذه الطلبات ومقارنتها مع قاعدة البيانات التي تملكها الدولة لمعرفة ما إذا كانت هذه الأسر تعاني فعلياً من الفقر عبر القيام بزيارة ميدانية لهذه الأسر ومن ثم يتم تنقيح قاعدة البينة هذه من خلال إيجاد تعريفات متناسبة للفقر والعوز وفق البلد نفسه وبالتالي يتم تحديد خط الفقرخصوصاً أن نسبة من هم دون خط الفقر تغيرت بشكل سريع في لبنان خلال العامين المنصرمين.

وعمن سوف يقوم بالتنفيذ يتحدث أبو إسماعيل عن دراسة مشروع أقره البنك الدولي بقيمة ٢٠٠ مليون دولار لدعم التحويلات النقدية التي سوف تستفيد منها هذه الأسر، وفي جزء أخر سوف يكون هناك مساعدات سوف تقوم بتقديمها منظمة الغذاء العالمي للأسر اللبنانية وغير اللبنانية، بينما منظمة العمل الدولي سوف تساعد في مجالها، بالإضافة إلى العدد من المنظمات الأخرى التي سوف تساهم في المشروع بطريقة أو بأخرى.

تسير الطبقة الحاكمة في لبنان على مبدأ أن الغد قد يخبئ لهم الحلول، ولا يدركون أن ما اعطاهم كل هذا الوقت فعلياً هو صبر اللبنانيين على فشلهم الذريع والذي قد يكون متأت من انشغالهم بإيجاد قوتهم اليومي. العديد من الخبراء الاقتصاديين والجهات المانحة نصحت لبنان من قبل إندلاع ثورة تشرين بإنشاء وتفعيل شبكة أمان إجتماعية كون الجميع كان يستشرف الأزمة، فما سبب تعمية العيون عن هكذا خطر محدق بلبنان ويطال بأذيته الوجود اللبناني برمته؟ كان الجميع يعلم ويرى السقوط، ولكن من نصّبنا علينا حكماً، استرخص موتنا وباع دمنا بالمجان.