يوحي التراشق الكلامي العالي النبرة في الساعات الماضية، بسلوك العلاقات السياسية الداخلية إلى نقطة اللاعودة على صعيد التواصل بشأن ملف تشكيل حكومة جديدة ما بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، وبالتالي، الإطاحة بكل محطات التواصل التي سُجّلت على مدى الأشهر الماضية، وذلك، في ضوء معلومات ديبلوماسية متداولة، عن انكفاء فرنسي جدّي عن الدخول على خط مسلسل التأليف الذي طالت مدته، وبدأ يرتدّ بشكل سلبي على الإدارة الفرنسية بشكل عام، وعلى الرئيس إيمانويل ماكرون بشكل خاص، والذي دخل منعطفاً سياسياً جديداً على المستوى الداخلي، وذلك بشكل يحول دون استمرار متابعته وتركيزه على الواقع اللبناني.

وتعتبر المعلومات المستندة إلى أجواء داخلية وفرنسية، أن انفجار الفضائح وبشكل يومي في لبنان، قد نسف كل حظوظ التفاهم على تسوية أو مخرج سياسي ليس فقط بالنسبة لأزمة التأليف، بل قد تخطى التشنّج والتوتير هذا العنوان إلى عناوين أخرى بالغة الأهمية والخطورة، لم يسبق أن سُجّلت خلال السنوات التي تلت إتفاق الطائف، وهو ما ينذر بسلوك التطورات المحلية منحىً متقدماً من الفوضى، وبالتالي يطيح ببنود المبادرة الفرنسية حول طبيعة الحكومة العتيدة، وتحديداً البند المتعلّق بأن تضمّ الحكومة إختصاصيين غير حزبيين.

وانطلاقاً من هذا الواقع، تلفت المعلومات الديبلوماسية نفسها، إلى أن كل ما مرّت به المبادرة الفرنسية، قد بات اليوم واضحاً وكأن هناك قراراً ضمنياً فرضته تطوّرات الأمر الواقع، بإسقاط المبادرة من دون أن يتحمّل أي طرف سياسي محلي مسؤولية إفشالها، سواء أمام الرأي العام اللبناني، أو أمام الإدارة الفرنسية التي تتولى الملف وتحيطه من كل النواحي باهتمام خاص. ومن ضمن هذا السياق، تكشف هذه المعلومات، أن الدور الفرنسي أمام استحقاق «التراجع»، نتيجة الأمر الواقع، عن هذه الإحاطة، وربما يحصل هذا الأمر لمصلحة الإتحاد الأوروبي، الذي يستعد للدخول على خط الأزمة الحكومية في المرحلة المقبلة من خلال العقوبات التي يجري الحديث عنها.

ومن هنا، تلاحظ المعلومات نفسها، أن الملف اللبناني عموماً، وليس فقط ملف تأليف الحكومة، قد بات على طاولة المجتمع الدولي من أبواب عدة مفتوحة على كل الإحتمالات «السلبية» في الوقت الراهن، وذلك في ضوء الفشل والعجز عن مقاربة الأزمات ومواجهة التخبّط والإرباك في معالجة الوضع المالي تحديداً بعيداً عن الصراعات والتجاذبات السياسية، مما يؤكد التوجّه نحو مصير مأساوي في المرحلة التي ستتبع تنفيذ القرار برفع الدعم عن السلع الأساسية والمؤجّل في الوقت الراهن.

وبالتالي، فإن كل ما يتم التداول به راهناً عن عِقَد تقف في وجه عملية تأليف الحكومة وتنفيذ المبادرة الفرنسية، يندرج، بحسب المعلومات الديبلوماسية ذاتها، في سياق الدفع المتعمّد  نحو التصعيد وإشعال الأجواء الداخلية وتحويل الأنظار عن الأزمات الأساسية المتّصلة بالواقع السياسي والخلافات بين المكوّنات الفاعلة والمؤثّرة في المشهد الداخلي، وانعدام القدرة لدى أي مكوّن على إطلاق مبادرة للتوفيق بين المتخاصمين، على الأقل حتى الوقت الراهن، وذلك، بعدما سقطت أو فشلت محاولات بكركي ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، لتدوير الزوايا وتقريب وجهات النظر، والتلاقي حول قواعد مشتركة في استحقاق تأليف الحكومة.