تعليق التنقيب في الحقول المشتركة الى حين الإتفاق على الترسيم والتوزيع يلجم «الإندفاعة الإسرائيلية»

يبدو أنّ وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل قد أبلغ المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الأخيرة الى لبنان والتي يُغادر منصبه بعدها لتحلّ مكانه فيكتوريا لاند، موقف العدو الإسرائيلي الحاسم من مسألة استئناف المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية مع لبنان، بكلمتين: التفاوض على «خط هوف» أو تخسرون كلّ شيء. وهذا يعني أنّ العدو الإسرائيلي لن يعود الى طاولة المفاوضات إذا كان لن يُحقّق الربح، وتحديداً في ما يُسمّى «منطقة النزاع القديمة أو السابقة» أي مساحة الـ 860 كلم2، وهو بالتالي سيبدأ بأعماله في حقل «كاريش» في أوائل حزيران المقبل من دون أي اعتبار لموقف لبنان، أكان قويّاً أم ضعيفاً.

ويبدو أنّ بعض المسؤولين اللبنانيين، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية خبيرة بملف ترسيم الحدود، قد بدأوا بالإقتناع بضرورة العودة الى «خط هوف» والتفاوض على أساسه ونقاشه مع العدو الإسرائيلي لكي لا يخسر لبنان كلّ شيء لا سيما مساحة الـ 490 كلم2 التي حدّدها له هذا الخط، ولكي لا تتوقّف بالتالي أعمال الحفر والتنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة البحرية الجنوبية، لا سيما في البلوك 9 والتي كان يُفترض أن تبدأ أواخر العام الماضي. وهؤلاء المسؤولون لا يعتبرون ذلك خسارة أو استسلاماً للعدو الإسرائيلي أو حتى خيانة للبلد، على ما قد يتهمهم البعض، كون مسألة ترسيم الحدود يتمّ التوافق عليها بين طرفين جارين أو عدوين. كذلك كون الخط 29 الذي اقترحه الوفد اللبناني المُفاوض لمناقشته على الطاولة، كان الهدف منه في الأساس «تحصيل ما يُمكن تحصيله» من «منطقة النزاع الجديدة» أي مساحة الـ 1430 كلم2 وجعل نصف حقل «كاريش» وكامل البلوك 72 الإسرائيليين ضمن المياه اللبنانية، على غرار ما يفعل الخط 1 الإسرائيلي الذي يقتطع مئات الكيلومترات من البلوكين 8 و9 اللبنانيين. فهذه الطريقة قد يكون اعتمدها الوفد اللبناني المُفاوض للضغط على العدو الإسرائيلي للموافقة على اقتسام مساحة الـ 860 كلم2 وفق ما اقترح هوف، مستنداً بذلك الى أحد المقترحات الهندسية للتقرير البريطاني الشهير ولكن غير المُعلن، لتدعيم موقف لبنان بأحقيّته بملكية هذه المساحة.

علماً بأنّ لبنان كان سبق له وأن رفض هذا الخط، بعد أن أبلغ رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي آنذاك (أي في العام 2012) السفير الأميركي السابق فريديريك هوف (على ما روى في مقال حول رحلة وساطته بين لبنان والإحتلال الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2012 تمّ نشره على موقع مجلة «نيوزلاين» في 7-12-2020 واعترف بأنّه لم يكن خبيراً في الخلافات البحرية ولهذا استعان بزميل أميركي خبير هو رايموند ميليفسكي لترسيم الخط)، بنيّته القبول به بعد إجماع الحكومة، إلاّ أنّه لم يُطرح على التصويت في مجلس الوزراء، كما بقي لبنان رافضاً لهذا الخط خلال السنوات الماضية. كما لحظ هوف بأنّه لم يكن ثمة معارضة لبنانية جوهرية على ما عُرف بـ «خط هوف»، باستثناء إصرار الرئيس السابق فؤاد السنيورة على تولّي الأمم المتحدة جهود الوساطة. فيما كان جواب العدو الإسرائيلي على المقترح الأميركي «لسنا معتادين على تسوية نحصل بموجبها على 45 % من أي شيء»، رغم ذلك قال هوف إنّ «إسرائيل كانت مستعدّة لقبول خطّ التسوية شرط موافقة لبنان». وعلى الرغم من إقرار هوف بـ «فشل الوساطة الأميركية»، ألمح الى أنّها تُعدّ إنجازاً ديبلوماسياً كبيراً خالصاً بالقول إنّ «راي (أي زميله الخبير الأميركي الذي رسم الخط البحري) قد منحهم كلّ ما يحتاجون إليه الآن للموافقة. ويُمكن التوصّل الى سيناريو مُربح للجانبين، وهذا أندر الأحداث في منطقة الشرق الأوسط».

من هنا، تأتي فكرة أحد المسؤولين اليوم عن ليس فقط توسيع الوفد اللبناني المُفاوض إنّما أيضاً توسيع إطار المفاوضات غير المباشرة التي ليست لمصلحة أي من الجانبين أن تتوقّف بشكل نهائي، حتى أنّه قفز فوقها عن طريق اقتسام أرباح التنقيب وإنتاج الغاز والنفط في الحقول الحدودية المُتاخمة. هذا الأمر الذي بالإمكان أن ينطبق على سوريا أيضاً في الحدود الشمالية المتداخلة مع لبنان. وبما أنّ لبنان متمسّك بأن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط في المفاوضات، فإنّ اقتراح مجيء شركة أميركية خاصّة تتولّى مسؤولية التنقيب والتوزيع المشترك للثروة النفطية، وبموجب معدّلات معيّنة (60-40% أو 55- 45 % أو 50- 50 %) تبدو فكرة صعبة التنفيذ، وقد لا تُوافق عليها الأطراف السياسية كافة.

وفيما يتعلّق بإمكانية تعليق العدو الإسرائيلي عمليات التنقيب عن النفط والغاز والإنتاج في حقل «كاريش» والمنطقة المحاذية له، كما في الحقول المشتركة المحتملة طبعاً، الى حين الإتفاق على معدّلات التوزيع أو ترسيم الحدود، تبدو فكرة جيّدة وذكية، ولكن لا بدّ من معرفة موقف العدو الإسرائيلي منها. فهي تُساهم في لجم الإندفاعة الإسرائيلية في الإستيلاء على كلّ شيء دون الأخذ بأي إعتبارات قانونية أو تقنية أو حتى مقرّرات طاولة المفاوضات غير المباشرة.

وتقول الأوساط نفسها بأنّ لبنان الذي اشترط الوساطة الأميركية في المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي برعاية واستضافة الأمم المتحدة، عليه اليوم التفاوض مع الأميركيين حول ما هو الأفضل له وللمنطقة ككلّ، لا سيما لحفظ الأمن والإستقرار فيها. هذا الأمر الذي تعتبره الولايات المتحدة أمراً أساسياً لا بدّ من الحفاظ عليه، كونه يُطمئن شركات النفط الدولية ويدفعها للمجيء الى المنطقة لبدء أعمالها في المنطقة البحرية الجنوبية من دون أي تأخير. فالمفاوضات يجب أن تُستأنف، على ما ترى، خصوصاً وأنّ المفاوضات الأميركية- الإيرانية قد بدأت في فيينا، وإن على الإتفاق النووي تحديداً.

وشكّكت الأوساط في الوقت نفسه بتقنية رسم الإحداثيات من رأس الناقورة والزاوية المقرّرة لرسم الخط الأفقي، التي قد يكون بالإمكان الطعن بها من الناحية القانونية، على ما ترى، والتي ستتطلّب الكثير من الوقت، والتي سيخرج منها لبنان في نهاية الأمر «مثخناً بالجِراح». لهذا تصرّ على ضرورة نشر التقرير البريطاني الشهير وغير المُعلن عن ترسيم الحدود البحرية ومناقشته في مجلس النوّاب وفي وسائل الإعلام. وألمحت الى أنّ الإستعانة اليوم بـ «شركة دولية» قد يُساهم في إضاعة المزيد من الوقت ويعيد الأمور الى نقطة الصفر، وليس هذا المطلوب في الوقت الراهن.

ومن الجيد التذكير بما كشفه الديبلوماسي العسكري هوف في مقاله عن إقراره بفشل الوساطة الأميركية بين عامي 2010 و2012، عن أنّه لعب دوراً أساسياً في إقناع الخبراء الإسرائيليين أنّ نظراءهم اللبنانيين ليسوا لصوصاً نَهمين»، بحسب ما كتبه، مشيراً الى أنّهم «بدوا محبطين بعض الشيء، وذلك بسبب حصول الجانب اللبناني على نسبة 100%». كما أنّ العدو الإسرائيلي قال له: «لسنا معتادين على تسوية نحصل بموجبها على 45 % من أي شيء»، لكنّه عقّب بأنّه «كان مستعدّاً لقبول خط التسوية شرط موافقة لبنان». وألمح هوف الى أنّ الوساطة الأميركية «تُعدّ إنجازاً ديبلوماسيّاً»، خالصاً بالقول: «منحهم راي (أي زميله الخبير الأميركي الذي رسم الخط البحري) كلّ ما يحتاجون إليه الآن للموافقة. ويُمكن التوصّل الى سيناريو مُربح للجانبين، وهذا أندر الأحداث في منطقة الشرق الأوسط».

فهل تعود الوساطة الأميركية لتعويم «خط هوف»، وهل ستُوافق عليه جميع الأطراف اللبنانية بهدف تقاسم الثروة النفطية في منطقة النزاع الحدودي، في التنقيب والإنتاج، بدلاً من خسارة المساحة كاملة، أم أنّ لدى المسؤولين حلولاً بديلة لم يتمّ الكشف عنها بعد؟!