يرتدي الإتهام الفرنسي الصريح للمسؤولين اللبنانيين بالتقاعس عن القيام بما يلزم في التصدّي لخطر الإنهيار الذي يواجهه لبنان، طابعاً مختلفاً عن كل الإتهامات السابقة الواردة في المواقف والبيانات الصادرة عن «خليّة الأزمة» في باريس، أو عن وزارة الخارجية الفرنسية، وبشكل خاص وزير الخارجية جان إيف لودريان.وقد قرأت مصادر ديبلوماسية في بيروت في هذا التطوّر، ما يشبه الإنذار الأخير قبل اللجوء إلى الإجراءات التي هدّدت بها العاصمة الفرنسية منذ أيام أكثر من مسؤول لبناني، وذلك غداة التشاور الأوروبي في كيفية مقاربة الواقع السياسي المسدود الأفق في بيروت. وكشفت أن عدداً من الإنذارات سُجلت في الأيام الماضية من قبل المجموعة الدولية، وليس فقط الأوروبية أو الفرنسية، وحملت تلويحاً باتخاذ إجراءات مُشدّدة في حق كل فريق يرفض تشكيل الحكومة وفق المبادرة التي طرحتها الدولة الفرنسية منذ أكثر من ستة أشهر.

وأكدت المصادر الديبلوماسية نفسها، أنه كان من المفترض أن يلتقط الأطراف اللحظة السياسية التي شكّلتها هذه المبادرة منذ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولكن، وخلافاً لكل ما كان متوقّعاً، سواء من الداخل اللبناني أو من عواصم القرار العربية والغربية التي دعمت وأيّدت مبادرة ماكرون، فإن هذه القوى هدرت هذه الفرصة السانحة، ولم تستجب لكل ما حذّرت منه فرنسا، وما زالت تُحذّر منه بقيّة الدول غربية كانت أم عربية، الأمر الذي أوصل إلى الواقع المهترىء الذي يعيشه لبنان على العديد من الأصعدة، وليس فقط على الصعيد المالي أو الإجتماعي. واعتبرت المصادر أن ما يُسجّل، وبشكل يومي من «تقويض» للمؤسّسات والقطاعات اللبنانية، يندرج ضمن خانة «التواطؤ»، ولم يعد يقتصر فقط على الخلافات السياسية حول بنود الوساطة الفرنسية المتعلّقة بتأليف الحكومة برئاسة الرئيس المكلّف سعد الحريري.

وأضافت المصادر نفسها، أن الهدف الرئيسي من وراء مبادرة ماكرون التي ما زالت الوحيدة المطروحة على الطاولة، بعد انسحاب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، من طرحه التوفيقي عبر صيغة توسيع الحكومة إلى 24 وزيراً،لم يكن يوماً إهمالاً لكل المشاكل والأزمات التي يعاني منها لبنان من خلال طرح تأجيل كل «المطالب» السياسية التي ترفعها غالبية القوى السياسية، موضحة أنه، وعلى العكس من ذلك، فقد أرادت باريس، التركيز على ما هو «ممكن» في ظل الظروف الراهنة، وبالتالي، «تأجيل» كل الملفات الخلافية والتي تتطلّب مشاورات ولقاءات ومؤتمرات وطنية ترسم خارطة طريق للسنوات المقبلة، خصوصاً وأن الواقع اللبناني لا يحتمل استمرار تأجيل المعالجات الفورية على المستوى المالي بشكل خاص.

وأوضحت هذه المصادر، أن خطوة تشكيل حكومة جديدة، لم تعد شرطاً فرنسياً فقط، ذلك أن المجتمع الدولي يشترط خطة استثمارات تعيد هيكلة النظام المالي اللبناني الذي بات معرّضاً لعواقب خطيرة جراء وقف التعامل معه من قبل المصارف الدولية، وبالتالي، النظام المالي الدولي، وهو ما برز من خلال خطوة المصارف المراسِلة باتجاه المصارف اللبنانية.

وأضافت المصادر أن الحسابات السياسية وحجز المواقع في الإستحقاقات المقبلة، غير متاح في الوقت الراهن، وكذلك عملية إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات السياسية على أسس جديدة، ذلك أن التأخير والتأجيل الجاري لأية معالجات سريعة، يشكّل بحدّ ذاته استهدافاً للبنان، كما للقوى الأساسية فيه، وبشكل خاص «الأكثرية النيابية»، من خلال معارك جانبية، تحوّل الأنظار عن الإستحقاقات التي تخوضها على أكثر من مستوى، وتحديداً على مستوى حماية الحقوق البحرية من الأطماع والمخطّطات الإسرائيلية.