هل يُفتح ملف وزارة التخطيط في لبنان... وهل تبصر النور؟

في بلد يغيب عنه التخطيط ويتناحر حكامه على تناتش الحصص الوزارية من دون أدنى خجل أو وجل أمام هول الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية المتردية جداً، كان لا بد من العودة قليلا إلى الماضي للبحث عن بعض مواضع الخلل التنظيمي والهيكلي الذي انتج خللاً لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال غض الطرف عنه.

سبعون عاماً إلى الوراء، كان لبنان يملك وزارةً للتصميم العام، كان الهدف منها تنسيق وتخطيط السياسات والمشاريع الحكوميّة وفق خطّة اقتصاديّة واجتماعيّة شاملة، بحيث يتكامل الجهد التنموي للوزارات وأجهزة الدولة، بدل أن يتضارب أو يخضع لاعتبارات المحاصصة. أهمية هذه الوزارة لم تكن عادية، إذ قام كل من الرئيسين سامي الصلح ورشيد كرامي بتوليها شخصياً بين عامي ١٩٥٤ و ١٩٥٨.

عام ١٩٧٧ تقرر إلغاء هذه الوزارة وإسناد مهامها إلى مجالس متنوعة كجزء من نظام المحاصصة تمشياً مع تطورات الساحة اللبنانية آنذاك. هذه المجالس عملت بشكل منفصل ومنفرد دون التنسيق والتصميم فيما بينها، الأمر الذي عزز الفوضى والزبائنية وأرسى تنامي القطاعات الريعية مقابل تضاؤل - حد الإختفاء- عملية تحفيز الإنتاج وتوجيهه.

أفليس حرياً بجهابذة الحكم اليوم إعادة إحياء هذه الوزارة تحت مسمى وزارة التخطيط على أن تضم تحت جناحيها المديريات التي لا تعمل وتلك التي تعمل بنظام تحاصصي ساهم في الإنهيار الحاصل اليوم؟ أوليست هذه الوزارة حاجة وطنية ملحة وطارئة لانتشال لبنان من براثن الفساد واظهار الجدية للمجتمع الدولي والجهات المانحة؟

لإعطاء الموضوع كامل حقه، كان لا بد من توزيع البحث على عدة حلقات والحصول على الإجابات لكل الاسئلة وتدعيم هذه الاجوبة بالخبرات التي يمكن ان تضيء أكثر على الخلل المتراكم الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم، حيث ستقوم «الديار» بتناول الموضوع في سلسلة حلقات متتالية.

ولهذه الغاية، قامت «الديار» بالإتصال بمنسق «التحالف المدني البيئي» المهندس المدني راشد سركيس، الذي أكد ان ما نعيشه اليوم من أزمات وتلوث ووباء يؤكد ان التخطيط أمر مقدس ولا يمكن النحو به إلى منعطفات الشر ، كالحديث عن فبركة فيروسات ونشرها مثلا. واشار الى ان التخطيط هو حالة واجبة لخير الإنسان وسلمه يجب أن ترافق تطور الحياة ونمو البشرية، فبه تتم حماية حقوق المجتمعات والشعوب، وبه يفرض على من يتحمل مسؤولية القيادة العامة توفير فرص التقدم والتنمية والراحة للناس.

يعتبر سركيس أنه ليس هناك بالضرورة سبب معين لإلغاء وزارة التخطيط، إنما كان هناك، بالتأكيد، قصر نظر لدى الذين حوّروا الموضوع ضمن ضيق أفق البعض ومصالح البعض الآخر، فاتجهوا إلى تأسيس مجلس إنماء وإعمار، خالطين بذلك بين وظيفتين معتقدين أن المجلس سيقوم بوظيفة التخطيط، ولكن في الواقع لم يوفقوا بخيارهم قط، لانه قد تكون لنا حاجة إلى مجلس ديناميكي يشبه مجلس الإنماء والإعمار يتحلى بمعايير معينة ويشكل ذراعا للعمل الشفاف، وكذلك نحتاج إلى مديرية مثل التنظيم المدني لتطبيق مفاعيل القوانين والانظمة المرعية، إنما يفترض قبل هذا وذاك وجود عقل يفكر ويعطي أوامره لهذه الأذرع، والعقل والأساس هنا هو التخطيط. لا يمكن لأي جسم آخر أن ياخذ مكان التخطيط السليم أو اهميته، إنما يمكن للجميع أن يتقاسم منافعه وانتاجه، فهو وحده يبقى المرجعية الأولى والاخيرة في ضبط ايقاع كل قطاعات الحياة وتطويرها في كافة الإتجاهات والمستويات.

يستذكر سركيس موقفا حصل معه عندما كان طالباً في كلية الهندسة عام ١٩٨٣ وحضر محاضرة حول التنمية التي كانت تخطط لها الدولة، آنذاك كان على رأس الطاولة المحامي النائب أوغست باخوس (رئيس لجنة الإدارة والعدل يومذاك) وبعض المسؤولين والمديرين في مجلس الإنماء والإعمار وغيرهم من الوزارات، وكان التشديد على ضرورة وصل العاصمة بالمناطق لتسهيل حركة الناس وعدم الإضطرار للاستقرار في المدينة وتوفير انتقال سريع للبقاء في مناطقهم، وتابع: المحاضرون أبدوا انزعاجا من مداخلة وسؤال كبير لأحد الطلاب الذي خالفهم الرأي عبر مقاربة مختلفة مقترحا خلق وتشجيع قيام نشاطات قطاعية في المناطق من زراعة وصناعة وخلق فرص عملبدل اعتماد خيار شق وتوسيع الطرقات كأشغال تهدر فيها اموال عامة وخاصة، فهي على الرغم من أنها تشكل الخيار المباشر الأول لفعل شيء مرئي على الأرض إلا أنها دون أفق، ولفت الى ان هذه العقلية التي انزعجت من الطالب هي خير مثال للنتائج المنعكسة غيابا للتخطيط، وهو ما يحملنا على التنبه إلى اهمية البدء بالسير من الدرجة الأولى صعودا إلى الطابق المرتجى وليس القفز على الادراج.

يرى سركيس أن مجلس الإنمار والإعمار قام باعمال كثيرة في مجالات مختلفة وكأنه وزارة الوزارات، والحقيقة أنه لا يحق له فعل كل ذلك وليس هذا هو الهدف من وجوده، وخصوصا انه تحول إلى وكيل حصري للتمويلات الموجهة، إلا فرصة خارقة أعطته دورا في برهة من الزمن اضطلع فيها بوضع مخطط ترتيب الأراضي الذي لم يحترمه أحد حتى الآن، وخلف تجاذبات بين الإدارات المعنية أجهضت كل التطلعات.

واكد سركيس أن التخطيط حاجة وليس ترفا ولا يجوز إخضاعه للتجاذبات السخيفة، فالأصول تفرض توزيع المسؤوليات لتسهيل الرقابة ورفع مستوى الإداء، والتخطيط لا يلتقي مع «تسليع» المشاريع، ولا يتفق مع تبادل المصالح والصفقات، ولا يتوافق مع التدخلات السياسية الحافلة به حد الثمالة. كل ما حصل أكد غياب التخطيط، وبكل الأحوال لا يجوز التفكير في إلغاء دور الوزارات، إنما في ضبطها، وفي وضع إطار وكيان متطور يعزز دور الوزارات ويعيد للقيمة النوعية مكانتها بشكل ضابط يتماهى مع التحولات والمتغيرات عبر تقييم وتقويم مستمر. كل ما حصل في لبنان من ازمات سماها الكثيرون «سياسية» وغيرها، كانت بالحقيقة ثمرة غياب التخطيط السليم. (يتبع)