إذا كان الفصح عند اليهود يعني العبور من «أرض العبودية» إلى «أرض الميعاد» كما يُسمّونهما زاعمين تطويب فلسطين الحبيبة باسمهم، فإن الفصح عند المسيحيين هو العبور المُطْلق والإقامة في النعمة والحياة الجديدة. لكنْ أمتنا ، بمكوناتها العضوية لا الطفيلية ،منهكة نفسياً ومادياً رغم جميع المُحَسّنات اللفظية والمُزَيّنات الخطابية، فهل من فِصح ثقافي– سياسي- قوميّ لهذه الأُمّة؟ هل ثمة قيامة لها من قبر التاريخ؟ متى وكيف؟

إذا بدأنا بلبنان ،فمعضلته أبعد من انفجارِ مرفأ وأَعقَد من تشكيلِ حكومة وأعمق من إفلاسِ خزينة. إنها بليّة البنْية الطائفية المسمومة التي فرّخَتْ معظم هذا الويل وأعطَبَت الرؤية السليمة إلى الأمور،فأَحَلّتْ مكانها رؤى الطوائف وأحقاد الطوائف. والسؤال الأصعب هو:متى ينهض لبنان من تركيبته المريضة ومن جلجلة فساده وانحلاله؟ متى يسْلُك جميعُ مسؤوليه مسْلكَ رجال الدولة، ومتى ينضج ناخبوهم من وضعية الجمهور المذهبي التابع إلى مستوى المواطنين الحقيقيين المشاركين في صُنع الآتي بعد الخروج من الحاضر الفاجع؟

أما الشام التي لم تندمل جراحها العميقة بعد، رغم الإنتصار على المؤامرة، فمتى تُكْسَر أيدي مُحاصِريها المكشوفين الذين أغاروا على دورها الفاعل وأجرموا بحقوقها المشروعةعبْرَ استجرار الإرهاب العالمي المريض، المشدود إلى استحضار مزاعم المخَطّط الخارجي وازدواجية معاييره؟ بل متى تترجّل فلسطين عن صليبها المُدَمّى بأشواك الإحتلال وحراب الغدر، ومتى ينتهي درب آلامها الطويل ؟ متى يتحرر العراق المُشلّع من أطماع اللعبة الدولية القذرة، ومن كومبارس الداخل الشريك في فساد الخارج؟

إنّ وجعنا القومي لا يقتصر على النزيف المفتوح في هذه الجغرافيا، كما أن أسئلة الوقت والإرادة والسيادة والحداثة لا تنتهي بهذه السلسلة الإستفهامية الأليمة، التي يختصرها سؤال مفصلي عن موعد قراءة شعبنا شرعةَ الحريةَ بديلاً عن أعراف الإنقياد، وقراءة شروط الإنصهار الإجتماعي المشروط بدولة مدنية قومية واحدة، أو حتى قراءة مصالح التكامل المرحلي في دُوَل مدنية يتقدم فيها العقلُ على النقل، والإبتكارُعلى الإجترار؟

قال أرنولد تُوْينبي: «المدنية حركةٌ لا حالة، رحلة لا ميناء». ومعنى ذلك أن التمدن سياق متصاعد ،متواصل بالإرادة والعمل الحثيث، لا موسم عابر أو مظهر غوغائيّ طافٍ. لذلك هو انطلاق يشق العُباب ويتخطى المسافات بهدف الإكتناز الحضاري لا برغبة الرُسُوّ على شاطئ التوقف. من هنا يؤلمنا حتى الأعماق جنوحُ جمهور واسع من شعبنا صوب الماضي الغابر الذي صنع ذهنَه واهتماماتِه، بدلاً من ارتياد المستقبل ليصنعه بنفسه. وهذا مَعْلَمٌ صارخ من معالم اضطرابنا الثقافي الراهن، المتوقَّع له أن يغدو أكثر سوءاً،مِصداقاً لطرح فيلسوف التاريخ والحضارات،تُوْينبي عينِه، الذي سَبَرَفي نظريته للتحدي والإستجابة ردودَ الفعل التي تقوم بها حضارة مغلوبة إزاء حضارة أخرى غالبة انتهَكَتْ حرمتها. فالتحدي الذي تحمله الحضارة الغالبة بين طياتها يخلق واقعاً جديداً أقرب ما يكون إلى الصدمة غير المتوقعة للحضارة المغلوبة التي يجب أن تتعامل مع هذا الواقع وفق نمطٍ معين. وهذا النمط يختلف بين حضارة وأخرى، فالصدمة تكون قاسية ومدمِّرة بقدْر ما يكون التحدي الذي تحمله الحضارة الغالبة قاسياً ومدمراً.

لقد رصد توينبي نوعَيْن من الحضارات: الإنطوائي والمنبسط. فالنوع الأول ، في حال تعرضه لصدمة عنيفة ، لا يجد أمامه سوى العودة إلى الماضي الذي هو زمان القوة والمجد، في حين يلجأ النوع الثاني إلى القفز فوق الحاضر المُدلهِمّ نحو مستقبل قد يكون زاهراً. ويعتبر تويْنبي أن كِلتا الإستجابتين على خطأ بسبب عدم انطلاقهما من الواقع الحقيقي القائم وعدم مواجهتهما التحدي المفروض من الخارج بالأسلوب العقلاني المطلوب. «إنهما قاتلتان للحضارة»...هكذا يصف توينبي الإستجابتين: السلفية والمستقبلية، إذْ إن السلفية تنتهي إلى تَحَجُّر الحضارة وموتها، بينما تذهب المستقبلية مذهباً آخَرَ لكنه يؤدي إلى النتيجة نفسها إذْ يُجرد الحضارة المغلوبة من هويتها وشخصيتها وعناصرها ويجعلها حضارة تابعةً، مقلِّدة، ومجرد ناسخة لمدنية الآخَرين.

أمنيتنا نحن ألاّ يتقمص شعبُنا أحد هذين النوعين من الحضارةلأنهما خياران أحلاهما مُرّ. من دون أن ننسى إعلان إدانتنا الفكرية والتاريخية لمنطق هنتينغتون الأبتر في كتابه الشهير «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد» حيث اصطبغ هذا الكتاب المثير، الذي مهّد لأطروحته الصراعية المفكر البريطاني-الأميركي برنارد لُويس، بصبغة النزاع البَيْني للديانات، مُلبِسا ًذلك النزاع الخطير لبوس الحضارات المستعار، وجاعلاً من الديانات المحتوى الأول والمحمولَ الأثقل لتلك الحضارات.

أمنيتُنا أن يتلازم تجاوُزُنا للطريق الوعرة بالنهج العِلمي والوعي القومي لا بالعصبيات العمياء والخُزعبلات الأسطورية. إذْ ذاك يتعمّد فصحُنا الجماعي بروح الحضارة وبَهائها لا بقشورها ، فلا يختلط لدى أطياف شعبِنا الأصيلُ من الدخيل. إنّ لنا من تاريخنا ما به نعتز، لكننا لا نختنق في متحف استعادته ولا نجعل من الإشادة به حبوساً تقْطع عنا نسائمَ الغد وآفاق المستقبل. قال المهاتما غاندي: «لا أريد أن تبقى نوافذ بيتي مغلقة.. أريد أن تهبّ على داري ثقافاتُ جميع الأمم بشرط ألاّ تقتلعها من جذورها».