بعد فشل مكافحة حرائق الغابات عام 2019 و2020، قد تكون «الثالثة غير ثابتة» عام 2021. بما أن مشهد الحرائق يتكرر سنوياً ولا مَن يبالي لمحاسبة المفتعلين أو التحضير لموسم الحرائق الذي يمتد من تموز إلى تشرين الأول. من طوافات «السيكورسكي» غير الفعالة عام 2019، إلى عدم إمكانات الدفاع المدني لإطفاء سلسلة حرائق 2020 والمعنيون ينتظرون سيناريو 2021 مكتفي الأيدي. فكيف يمكن للبلديات رصد الأحراج الأكثر عُرضة لاندلاع الحرائق فيها؟ وكيف تتحرك الجمعيات البيئية قبل خسارة لبنان المزيد من مساحاته الخضراء؟

وفق آخر إحصاء للشركة الدولية للمعلومات يتبين أن «مجموع المساحة الخضراء التي التهمتها النيران في الأعوام الـ 15 المنصرمة (2006- 2020) هو 360 مليون متر مربع». وفي السياق، يشير مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند د. جورج متري لـ»الديار»، إلى نظام يتنبأ ويرصد خطر إندلاع الحرائق على صعيد كافة الأراضي اللبنانية (http://ioe-firelab.balamand.edu.lb/). تمّ تطويره عام 2014 ضمن فريق أكاديمي في البلمند في معهد الدراسات البيئية وتحديداً في برنامج الأراضي والموارد الطبيعية.

ويؤكد د. متري أنه «بحسب الإحصاءات والدراسات التي نقوم بها سنوياً، 92% من الحرائق التي إندلعت رُصدت مسبقاً في المناطق «الحمراء» أي المناطق الأكثر عُرضة لإندلاع الحــرائق فيها على خريطة هذا النظام. لذلك وبهدف تجنب الحريق يجب مراجعة الخريطة التي تحدد المناطق الأكثر عُرضة قبل تسعة أيام من اندلاع الحريق فيها».

 38% من الأراضي مُعرضة لاندلاع الحرائق فيها! 

يوضح د. متري أنه وفق خريطة النظام، المناطق الأكثر عُرضة هي التابعة لمحافظة جبل لبنان، الشمال وعكار بالإضافة للجنوب. ويتابع: «ما يقارب 38% من الأراضي اللبنانية مُعرضة لخطر إندلاع الحرائق فيها وتنقسم ما بين مناطق «الخطر المرتفع» إلى «المرتفع جداً».

وبالنسبة للمعايير التي يعتمدها النظام يقول د. متري انها «تعود لخصائص الغطاء النباتي، الخصائص الطبوغرافية، الخصائص الإجتماعية والإقتصادية وخصائص الأرصاد الجويّة». كما يتم تطوير هذا النظام، تحسينه سنوياً ومراقبة فعّاليته للتأكد من إصداره أرصادا دقيقة. ولكن تبقى المشكلة في كيفية تلقف هذه المعلومات والاستجابة لها قبل إندلاع الحرائق.

 سبب الحرائق...أنت؟ 

يقول د. متري أنه «99% من الحالات، الإنسان هو مَن يسبب الحرائق في لبنان. والسبب الأبرز يعود لإضرامه النيران في أوقات غير مناسبة فيما قانون الغابات، الباب السادس المادة 101 إلى 113، يمنع ذلك. إذ تنص هذه المواد على «حظر إشعال النار ونقلها خارج المساكن والمباني المعدة للإستثمار داخل حدود الغابات. يطبق هذا المنع من أول تموز إلى 31 تشرين الأول (...)». ولكن يؤكد د. متري أن «القوانين لم تُطبق وهناك إهمال من قبل المعنيين حيثُ بعد مشهد حرائق عام 2019، لم يتم أي تحضير لموسم الحرائق عام 2020. إذ تكرر المشهد وتسبب بأضرار جسيمة على الصعيد البيئي، الإقتصادي والإجتماعي.

 لماذا مكافحة الحرائق؟ 

بعدما بات «الإهمال» سيد الموقف في ملف الحرائق، يقول د. متري انه بات يشكل خطراً ليس فقط على البيئة والطبيعة ولكن على الإنسان أيضاً. «فالحرائق تسبب أولاً أضراراً بيئية بحيث تقضي على الغطاء الحرجي وعلى التنوع البيولوجي. كما وأنها تكبد المزارع خسائر إقتصادية فادحة لأنها تقضي على الغابات المنتجة كالتي تتضمن شجر الصنوبر، فيما قد تكون مصدر عيشه الوحيد في ظلّ الأزمة الإقتصادية. وذلك ما ينعكس سلباً على الصعيد الإجتماعي بسبب تزايد نسبة الفقر، عدا عن وصول النيران إلى الممتلكات الخاصة والبنية التحتية».

ففي ظل غياب تطبيق القوانين وإهمال تام لملف الحرائق، إنّ البلديات والجمعيات البيئية تؤدي دوراً أساسياً لتراقب المساحات الخضراء الأكثر عُرضة، وتمنع إندلاع الحرائق فيها عبر التحضير لذلك.

 توزيع 100 مخباط...والدورات التدريبية قريباً 

تطلق جمعية الأرض حملة بعنوان «معاً نحمي غابات لبنان» حيث يتم من خلالها توزيع 100 مخباط تُستخدم في مكافحة حرائق الغابات. وفي هذا الإطار، يقول رئيس جمعية الأرض بول أبي راشد، في حديثٍ لـ»الديار»، أن «السبب الأبرز لهذه الحملة يعود لمشهد حرائق عام الماضي، إذ تبين أن المساحات التي احترقت وصلت إلى 7000 هكتار مقارنةً بـ1000 هكتار المعدل العام السنوي. كما وأن التدخل الأولي السريع قبل وصول الدفاع المدني يجنب كارثة إمتداد النيران والقضاء على ما تبقى من المساحات الخضراء في لبنان».

ويشير أبي راشد إلى أن إستيراد المخابيط مكلف جداً، وبهدف توزيع عدد أكبر من المخابيط، تم تصنيعها في لبنان. وتم تقديم طلب الحصول عليها من قبل 20 إلى 30 جمعية أو بلدية خلال 24 ساعة فقط من إطلاق الحملة. ويضيف: «سيتم توزيع هذه المعدات بالإضافة إلى تنظيم دورة تدريبية حول كيفية الوقاية، الرقابة، ومكافحة حرائق الغابات».

نظام فعّال لرصد المناطق الأكثر عُرضة متوافر أمام الجميع منذّ العام 2014، ولكن يتجدد ويتطور مشهد الحرائق سنوياً. جمعيات بيئية ومنها جمعية الأرض تسعى سنوياً لخلق توعية وتدريب البلديات والناشطين لمكافحة إندلاع الحرائق فيما المعنيون غائبون عن السمع. وفي ظلّ الإهمال المستمر سيظلّ «لبنان يحترق» عنوان مواسم الحرائق للسنوات المقبلة إلاّ إذا تمّ التعاون بين الجمعيات، البلديات، الدفاع المدني، ومؤسسات الدولة المعنية بهدف التحضير، المراقبة، تطبيق القوانين ومكافحة بذلك الحرائق قبل فوات الأوان.