عندما دخل ديفيد دي يونغ، مدير تقنيات الأعمال في شركة "ألكوا" آنذاك، إلى المقر الرئيسي لشركة "أبل" في مدينة كوبرتينو بولاية كاليفورنيا، خلال شهر سبتمبر 2015، كان يعلم أن المخاطر كبيرة، حيث قاد دي يونغ مجموعة من المهندسين، الذين أمضوا عقوداً سعياً لتحقيق حلم بعيد المنال في صناعة الألومنيوم المعروفة بتلويثها للبيئة، وهذا الحلم هو: الوصول لطريقة لصهر معدن الألومنيوم دون إنتاج أي انبعاثات كربونية مباشرة.

دعت شركة "أبل" دي يونغ لشرح عملية التصنيع غير الكربونية المحتملة للألمونيوم، التي كانت مجموعته تطورها. وبحسب تقديرات جورج فاسكويز، المحلل في شركة "هاربور أنتليجنس"، تستخدم "أبل" حوالي 15000 طن متري من الألومنيوم سنوياً لمعداتها الإلكترونية.

في هذا الوقت، كانت شركة "ألكوا" على وشك إنهاء بحث فريق دي يونغ الذي دام لسنوات. وقبل لحظات من دخول دي يونغ إلى اجتماع طاولة مستديرة مع مهندسي "أبل"، تلقى خبر انقسام "ألكوا" إلى شركتين عامتين، ما زاد من توتره، وتسبب في شعوره بخوف آخر على مستقبل مشروع وحدته. لذلك، بدا وقتها أن اهتمام "أبل" بتقليل البصمة الكربونية للأغلفة المعدنية الخاصة بها هو الحل لتوفير التمويل اللازم لمشروع دي يونغ.

مكالمة "أبل"

لكن نتيجة ذلك الاجتماع لم تظهر إلا في وقت لاحق من عام 2015، بمساعدة مصدر غير متوقع، حيث حدث ذلك عندما سافر فينسينت كريست، خبير تكنولوجيا المعلومات التصنيعية في مجموعة "ريو تينتو"، إلى كوبرتينو في زيارة مماثلة لشركة "أبل".

كانت شركة "ريو تينتو"، التي تتخذ من لندن مقراً لها، وتعتبر أحد أكبر منافسي "ألكوا"، تكافح هي الأخرى لتطوير طريقة لإنتاج الألومنيوم، من خلال تنفيذ عملية تنبعث منها الأكسجين بدلاً من ثاني أكسيد الكربون.

بالفعل، وأثناء عودته إلى المطار بعد اجتماع استمر لعدة ساعات مع مهندسي "أبل"، تلقى كريست مكالمة من شركة "أبل"، التي قال مسؤولوها له: "إن كلاً من ريو تينتو وألكوا قريبتين من الوصول للاختراع الذي يبحثون عنه، ولكن لا يبدو أن أياً من الشركتين قادرة على القيام بذلك بمفردها. فلماذا لا تتضافر جهود الشركتين؟".

ويقول دي يونغ، الحاصل على درجة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا:

كان لدينا المحرك، لكن لم تكن لدينا العجلات أو الهيكل أو الجسم، وكانت شركة ريو هي من أضافت كل ذلك إلى المشروع.

ويضيف: "نصحتنا أبل بشدة بالتواصل مع شركة ريو، وكنا قد قمنا بمحاولة سابقة للتحدث معهم بالفعل، ولكن بعد ذلك قلنا إننا سنتحدث معهم مرة أخرى، وقامت آبل بالفعل بتسهيل هذا الاتصال الثاني".

تقنية الألومنيوم الأخضر

كانت نتيجة التواصل بين الشركتين هي إنشاء " إليسيز" (Elysis)، وهو مشروع مشترك بين ألكوا وريو تينتو باستثمارات من "أبل"، والحكومة الكندية، وحكومة مقاطعة كيبيك، التي تعد واحدة من أكبر المناطق المنتجة للألومنيوم في العالم.

طور مشروع "إليسيز" تقنية ينتج عنها ما يسمى بـ"الألومنيوم الأخضر"، الذي لا ينبعث من تصنيعه ثاني أكسيد الكربون. وإذا تمكن الشركاء من جعل العملية تتسع على نطاق تجاري، فيمكن استخدامها لتعديل المصاهر الحالية، وتحويلها من بعض من أكثر المنتجات الصناعية تلويثاً للبيئة إلى نوع من مرافق التصنيع الخضراء، التي تسعى إليها الشركات والحكومات.

ويقول ريكاردو ماركيز، نائب الرئيس لشؤون تسويق للعلامة التجارية "مايكلوب ألترا" التابعة لشركة "إين بيف" في مؤسسة "إنهايزر- بوش"، التي اشترت بعض الألومنيوم المصنوع من "إليسيز" لتغليف علب الجعة الخاصة بها: "يُعد التغليف المستدام فرصة رئيسية لإبراز التزامنا نحو حماية البيئة بطريقة ملموسة، ونحن متحمسون لاستكشاف الفرص لتحقيق هذا المشروع في عام 2021 وما بعده".

أضرار بيئية كبيرة

كان هذا التقدم منتظراً بشدة منذ عدة سنوات. ففي عام 1886، اكتشف تشارلز مارتن هول مؤسس شركة "ألكوا" طريقة لاستخدام التحليل الكهربائي لإنتاج الألومنيوم، وهو معدن خفيف وقوي يُستخرج من خام البوكسيت. تنتج هذه العملية الألومينا، وهو مركب مكون من أكسيد الألومنيوم الذي يتم وضعه في حوض كيميائي، ويستخدم معه أنودات (قوالب أو أقطاب) الكربون الكبيرة، وتستعمل لتوصيل كميات هائلة من الكهرباء من خلال المزيج. يفصل التيار الكهربائي الألومنيوم النقي عن جزيئات الأكسجين، مما يتسبب في احتراق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وانبعاثها في الغلاف الجوي.

وتكون النتيجة هي الحصول على ألومنيوم خام منصهر، ولكن مع أضرار كبيرة على البيئة. فمقابل كل طن من الألومنيوم يتم إنتاجه، ينبعث ما يصل إلى 11 طناً من ثاني أكسيد الكربون، وفقاً لـمجموعة "سي آر يو"، وهي شركة أبحاث في مجال التعدين. ويقول المعهد الدولي للألمنيوم إن معدل الانبعاثات المرتفع هذا يجعل الصناعة مسؤولة عن 2% من انبعاثات الكربون حول العالم.

ألهمت تلك الانبعاثات الضخمة شركة "أبل" للبحث عن بديل، وكانت أيضاً السبب في تحرك شركات أخرى خلال العام الماضي لحماية البيئة، مثل: "ايه بي إن بيف"، و"أودي"، و"بي ام دبليو"، وعدة شركات أخرى. وجاء ذلك التحرك أيضاً استجابة لمطالب المستهلكين المهتمين بالحفاظ على البيئة، ممن يدعمون إنتاج ألومنيوم أكثر نظافة بيئياً.

في السابق، كان يتم تقليل البصمة الكربونية للألومنيوم من خلال اتباع طريقة الصهر التقليدي عالية الانبعاثات، ولكن عبر الحصول على الكهرباء اللازمة لعملية التصنيع من المصادر المتجددة مثل الطاقة الشمسية أو الطاقة المائية.

الألومنيوم مادة رئيسية لأجهزة "أبل"

طورت "إليسيز" عملية تستبدل الكربون ولكن باستخدام مواد خاملة –والتي رفضت الكشف عن ماهيتها- وذلك لصنع أنودات (أو أقطاب) الكربون التي تنقل الكهرباء المسببة للتفاعل الكيميائي.

يقول كريست، الذي أمضى 36 عاماً في العمل على إنتاج ألومنيوم خالي من الكربون: "نحن نستخدم مواد غير كربونية لا تتفاعل، ونتيجة لذلك نتمكن من فصل الألومنيوم من جانب والأكسجين من الجانب الآخر"، مضيفاً أن "الكيفية التي نتمكن بها من تطبيق ذلك أمر سحري بالتأكيد، لكن تفسير تلك العملية بسيط جداً في الواقع."

بعد نجاح كريست في تطوير نموذج أولي لمصهر خالٍ من الانبعاثات، والذي أنتج كمية صغيرة من الألومنيوم الأخضر المستخدم في بعض أجهزة كمبيوتر "أبل"المحمولة في عام 2019، قام إليسز ببناء مصنع تجريبي بمدينة ساغينيه في كيبيك، على بعد حوالي خمس ساعات شمال شرق مونتريال في كندا.

لا تسمح شركتا "ريو تينتو" و"ألكوا" بالتقاط صور للمصنع الخاضع لحراسة مشددة. ويقول كريست، الذي يشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي للمشروع المشترك، إن مجرد الكشف عن قياسات التخطيط يمكن أن يسرب أسرار الاختراع للمنافسين. وأضاف كريست موجهاً حديثه إلى محرر بلومبرغ:

أنت الشخص الوحيد على هذا الكوكب الذي سيرى هذا الاختراع، بعد مجلس إدارتنا.

تاريخ إزالة الكربون من الألومنيوم

تعود فكرة إزالة الكربون من إنتاج الألومنيوم إلى أكثر من 130 عاماً، وكان ذلك عندما كتب هول، مؤسس شركة "ألكوا"، في براءة اختراعه الأمريكية الأصلية، بتاريخ 2 أبريل 1889، أن التحسين في العملية الثورية آنذاك سيكون لإنتاج المعدن "عن طريق استخدام قطب مكون من مادة غير كربونية".

في سلسلة توريد الألومنيوم من المناجم إلى المستهلك بأكملها، يعتبر الصهر هو الجزء الأكثر كثافة في انبعاث الكربون، حيث يستخدم كمية هائلة من الطاقة. ويمكن لمصنع الألومنيوم الواحد أن يستخدم قدراً من الكهرباء يعادل الكمية المطلوبة لتشغيل مدينة كبيرة. ويقدر المعهد الدولي للألمنيوم أن توليد الكهرباء يمثل حوالي 60% من الانبعاثات العالمية لقطاع إنتاج الألومنيوم، كما أن إطلاق ثاني أكسيد الكربون أثناء مرحلة التحليل الكهربائي يجعل الأمور أكثر سوءاً.

يقول كريست إن تكاليف تشغيل "إليسيز" أقل بنحو 15% من نفقات عملية الصهر التقليدي، ويرجع ذلك جزئيا إلى ضرورة استبدال كتل أنود الكربون المستخدمة في التفاعل الكيميائي بعد 25 يوماً، بينما تدوم مادة "إليسيز" الخاملة لمدة عامين. وتتطلب عملية إنتاج الألومنيوم الخالية من الكربون أيضاً عدداً أقل من العمال، حيث لا توجد حاجة لتغيير المهابط الموجودة في أواني الألومينا المنصهرة بشكل متكرر.

تعديل المصاهر الحالية

يظهر المشترون الأوروبيون بالفعل استعدادهم لدفع المزيد مقابل الألومنيوم الأكثر نظافة. ووقعت شركة "بي ام دبليو" هذا العام اتفاقية مع شركة منتجة للألومنيوم في الإمارات العربية المتحدة تستخدم الطاقة الشمسية في عملية التصنيع. لكن الفائدة المالية الأكبر لشركة "ألكوا" و"ريو تينتو" قد تأتي من ترخيص استخدام مصنعين آخرين لتقنيتهما، أو من خلال بيعهم لخلايا الصهر الجديدة وكتل الأنود الخاملة، بحسب قول غريغ ويتبيكر، المحلل في مجموعة "سي آر يو"، الذي عمل في "ألكوا" لمدة 15 عاماً.

يقول ويتبيكر إن العقبة الأولى التي ستواجه "إليسز" هي إثبات قدرتها على زيادة التيار الكهربائي المستخدم أثناء الصهر الخالي من الكربون إلى مستويات القوة الصناعية، مما سيسمح بمعدلات إنتاج يومية أعلى. أعلنت "إليسيز" في 20 أبريل الماضي أنها ستبدأ في تركيب خلايا نموذجية تجارية من الأنود (أو القطب) الخامل على مصهر في كيبيك، وذلك في محاولة لإثبات قدرتها على تعديل المصاهر الحالية.

"ألكوا" تسرّع خطواتها

ستكون اللحظة الفارقة لتلك الصناعة عندما تنفد الحكومات برامج ائتمان الكربون –هذا إذا نفدتنها أصلاً- أو قامت بتطبيق ضرائب الكربون، التي من شأنها أن تفرض عقوبات مالية على منتجي الألومنيوم منخفض التكلفة، والذي يتم إنتاجه في مصانع في الصين والهند، التي تحصلان على الطاقة من المحطات التي تعمل بالفحم، كما يقول ويتبيكر.

تعتبر منتجات الصين والهند الأكثر تلويثاً للبيئة في العالم، لذا فإن ضرائب الكربون التي تقلل من جاذبيتها، أو انخفاض الإعانات الحكومية الكبيرة التي تقدمها الصين لصناعة الألومنيوم، سيشكلان فائدة كبيرة لقطاع الألومنيوم الأخضر.

يمكن القول إن شركاء "إليسيز" مقتنعون بأن السبيل للاستفادة من هذا المستقبل المحتمل سيكون عبر تضافر الجهود. ويقول كريست: "كانت ألكوا تسير ببطء في البداية، ولكن السباق الآن أصبح عالي السرعة"، لافتاً إلى أن مشروع "إليسيز" يتلقى الآن طلبات للتعاون أيضاً مع شركات في صناعة الصلب، وإنتاج الأسمنت، وشركات من قطاعات أخرى تطلب المشورة بشأن طرق خفض انبعاثات الكربون. ويختتم بقوله: "هذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بشرف كبير كوني أصبحت سبباً في انطلاق الخطوات الأولى من هذه الصناعة، والمساعدة على نموها وانتشارها".