إنَّ الخطط المثيرة للجدل والمتعلِّقة بتعدين قاع المحيطات تواجه امتحاناً رئيسياً هذا العام، إذ ستكشف هيئة تابعة للأمم المتحدة عن قواعد من شأنها أن تحفِّز استغلال ما قيمته مئات المليارات من الدولارات، من معادن البطاريات.

وتستعد السلطة الدولية لقاع البحار لإقرار لوائح في شهر يوليو المقبل، قد تؤدي بدورها إلى الدفع نحو استخراج المعادن اللازمة لتزويد ثورة المركبات الكهربائية بالوقود الذي تحتاجه.

في حين يقول دعاة حماية البيئة، إنَّ ذلك من شأنه أن يعرِّض النظم الإيكولوجية البحرية الهشة للخطر، وقد عبّروا عن قلقهم من التقارب بين السلطة الدولية لقاع البحار وصناعة التعدين الناشئة. وهو ما يكشف عن الصراعات المعقدة التي تواجهها الدول من أجل البقاء والازدهار على هذا الكوكب الذي تزداد حرارته باستمرار.

تساؤلات بيئية كثيرة

وقال ويل هوموكي، عالم الكيمياء الحيوية في "جامعة ليدز" بالمملكة المتحدة، الذي ساعد في جمع البيانات البيئية التي يقوم مسؤولو التعدين، والمنظمون بتحليلها: "إنَّ التوفيق بين المصالح البشرية للحصول على موارد المحيطات من غذاء ومعادن وطاقة، الذي يتعارض مع حماية هذه المناطق، يشكِّل تحدياً كبيراً في عصرنا".

وتعود هذه الصناعة اليوم إلى دائرة الضوء بعد انقضاء نصف قرن من اهتمام وكالة الاستخبارات المركزية لأوَّل مرة بالتعدين تحت سطح البحر، الذي بدء أثناء إنقاذها سراً لغواصة نووية سوفيتية بمساعدة هوارد هيوز.

وقد أدت الحاجة إلى انتاج مركبات خالية من الانبعاثات إلى دفع التركيز على عمق بلغ ثلاثة كيلومترات في المحيط الهادئ، وذلك لأنَّ احتياطيات الكوبالت والنيكل تفوق بكثير تلك الموجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو إندونيسيا، وهما يعدَّان أكبر مستخرجي المعدنين من اليابسة حتى الآن.

منطقة كلاريون كليبرتون

وكانت سفينة أبحاث أوروبية قد غادرت ميناء مدينة سان دييغو في شهر إبريل، لاختبار معدات التعدين في منطقة كلاريون كليبرتون. وهي مساحة محيطية بين هاواي والمكسيك تعادل مساحتها مساحة الولايات المتحدة. ويمتلئ قاع بحرها بمليارات الأطنان من عقيدات المنغنيز، وهي صخور بحجم قبضة اليد تشكَّلت على مدى آلاف السنين، وهي مليئة بمعدني النيكل والكوبالت اللازمين لبطاريات الليثيوم أيون.

كما غادرت سفينة أخرى مملوكة لشركة "إيه بي مولير-مايرسك" هذا الشهر لجمع بيانات علمية لشركة "ديب غرين ميتالز"، وهي شركة مقرّها مدينة فانكوفر، وحصلت على الحق في استكشاف رقعة من قاع المحيط بحجم جنوب إفريقيا في دول المحيط الهادئ ناورو، وكيريباتي، وتونغا.

ووصف الرئيس التنفيذي لشركة "ديب غرين" جيرارد بارون الوضع قائلاً: "هذا وقت محوري". وقال، إنَّ منطقة المحيط التي تستكشفها شركة "ديب غرين" تحتوي على احتياطيات معدنية للبطاريات كافية لتشغيل 280 مليون سيارة تعمل بالكهرباء.

وقد تمَّ تقييم شركة "ديب غرين" من خلال اندماج بشيك على بياض بقيمة 2.9 مليار دولار تمَّ في مارس الماضي، وهي مدعومة من شركتي "غلينكور"، و"أولسيز غروب". وتعدُّ هذه الشركة واحدة من جيل جديد من العاملين في صناعة التعدين في المحيطات، التي تضمُّ شركة "لوك هيد مارتن"، وشركة "شاينا مينميتالز"، ومجموعة "ديمي غروب" البلجيكية. وكانت الأخيرة قد استخدمت روبوتاً للبحث عن المعادن في أعماق البحار في تاريخ 20 إبريل، وقد قامت باستخراج المعادن لأوَّل مرة.

وكانت المحاولات السابقة للتنقيب في أعماق المحيطات، بما في ذلك محاولات شركة "سوما" (Summa Corp)، و"ديب سي فينتشرز" التابعتين لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد توقَّفت في السبعينيات. وقد حصلت شركة "نوتليوس مينيرالز" في الآونة الأخيرة على تمويل من معظم المستثمرين، وأثارت غضب دعاة حماية البيئة بتهديدها بتدمير الشعاب المرجانية في المياه قبالة سواحل دولة بابوا غينيا الجديدة.

وما يزال بعض العلماء متشككين بشأن المقايضة البيئية التي يقدِّمها العاملون في التعدين، ويسلِّطون الضوء على المخاطر التي تتعرَّض لها النظم البيئية البحرية.

وقالت ليزا ليفين، العالمة في معهد "سكريب" لعلوم المحيطات في مدينة سان دييغو: "إنَّها ثنائية خاطئة تقترحها الصناعة، وهي أننا إذا أردنا طاقة متجددة، وبطاريات سيارات كهربائية، فعلينا أن نستخرج المعادن من أعماق البحار".

مستقبل غامض ووعود كثيرة

ومع وجود حالة من عدم اليقين بشأن كيفية انتشار الرواسب الناتجة عن التعدين في قاع البحر، الذي من المحتمل أن يؤدي إلى تغيير كيمياء المحيطات، وإلحاق الضرر بالأسماك؛ أظهرت الأبحاث أنَّ الاضطرابات في قاع المحيط سيكون لها تأثير مستمر لما بعد ثلاثة عقود تقريباً.

ومن الصحيح أنَّ رواسب قاع البحر من الكوبالت والنيكل يمكن أن تزيل الاختناقات التي يواجهها صانعو البطاريات، إلا أنَّ المخاوف بشأن المخاطر البيئية دفعت شركات "بي أم دبليو"، و"غوغل"، من "ألفابيت"، و"سامسونغ" للإعلان بأنَّهم لن يتجهوا لشراء المعادن المستخرجة من المحيطات، حتى تُظهر الأبحاث أنَّ هذا النشاط غير ضار.

كما يدعو الصندوق العالمي للحياة البرية إلى وقف عمليات التعدين، في حين تهدد منظمة السلام الأخضر بتعطيل التعدين في أعماق البحار. فالنظم البيئية للمحيطات تتعرَّض أصلاً لضغوط متزايدة بسبب التحمُّض، والتلوث البلاستيكي، وانقراض الشعاب المرجانية.

فتح باب التعدين للشركات بشروط

وقد تمَّ تمويل الكثير من الأبحاث في أعماق المحيط على مدار العقد الماضي من العاملين في التعدين بالتنسيق مع المنظِّمين لوضع قواعد تجعل المشاريع قابلة للحياة، وتحمي النظام البيئي البحري. وعلاقتهما الوثيقة تعني أنَّ الهدف الأساسي للسلطة الدولية لقاع البحار قد أصبح فعلياً فتح باب التعدين في أعماق البحار، بناءً على أقوال لفين.

وسيخضع العاملون في التعدين لمتطلَّبات تتمثَّل في إعداد التقارير السنوية والمراقبة المستقلة للتحقق من التزامهم باللوائح البيئية، بناءً على ما جاء في بيان السلطة الدولية لقاع البحار ردَّاً على أسئلة.

ويُذكر أنَّه تمَّ إنشاء هذه الهيئة في عام 1994 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لضمان أن يتمَّ استغلال المعادن الموجودة في المياه الدولية، وذلك بما يخدم مصالح البشرية فقط.

وتشكِّل زيادة التوترات بين دعاة حماية البيئة وصناعة التعدين أمراً يعني أنَّ اللوائح التي أعلنت عنها كينغستون في شهر يوليو سوف يضع السلطة الدولية لقاع البحار التي مقرّها جامايكا تحت المجهر من قبل الجانبين.

وأما بالنسبة بارون من شركة "ديب غرين"، وهو المخضرم في مشروع "نوتيلوس" الفاشل، فهو يَعدُ المستثمرين بهوامش ربح تزيد عن نسبة 60% من العمليات التي يمكن أن تبدأ في إنتاج المعادن اعتباراً من عام 2024. ويقول، إنَّ المحادثات مع شركات صناعة السيارات في ديترويت حول العقود طويلة الأجل المحتملة قد بدأت.

ولكن يبقى بعضهم الآخر أكثر حذراً، وليس بشأن التأثير البيئي فقط. كما يقول غرانت سبوري، محلل التعدين في "بلومبيرغ إنتليجنس": "يبدو الأمر مثيراً للاهتمام من ناحية المبدأ، ولكني أودُّ أن أرى بعض نتائج التجارب في كلٍّ من التعدين والمعالجة، قبل أن أقوم بتبنيه".