تكثر التأويلات والتفسيرات عن أهداف زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان الذي يصل الى لبنان مساء اليوم الأربعاء، على أن يعقد غداً الخميس في 6 أيّار الجاري محادثاته مع المسؤولين اللبنانيين، بعد أن أعلنت باريس عن بدء تنفيذ قيود أو إجراءات تستهدف عدداً من الشخصيات اللبنانية (يصل عددها الى نحو 30)، متهمين بتعطيل الحياة السياسية في البلد ومتورّطين بالفساد. ويجري الحديث عن أنّها لن تصبّ فقط في باب الإتهامات للسياسيين بتقاعسهم عن أداء واجباتهم وتحمّل مسؤولياتهم، على غرار الزيارات السابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولودريان نفسه للبنان، إنّما لتوجيه رسائل عدّة، قد تكون الأخيرة، بضرورة تطبيق بنود المبادرة الفرنسية التي لا يبدو أنّ أحداً من المسؤولين لا يتمسّك بها باستثناء الرئيس المكلّف سعد الحريري الذي يُذكّر بذلك في كلّ إطلالة له من دون التوصّل الى تشكيل حكومة إنقاذية، على ما تُطالب، وتطبيق الإصلاحات الجادّة المطلوبة حتى الآن...

مصادر سياسية مطّلعة رأت بأنّ التهديد الفرنسي بفرض عقوبات أو إجراءات تقييدية على بعض الشخصيات اللبنانية التي «تُحاصر» مسار الحياة السياسية في لبنان، لم يعد حِبراً على ورق، بل أصبح حقيقة واقعة من خلال الإنتقال من مرحلة التلويح باتخاذ الإجراءات الى مرحلة الإعلان الفرنسي عن بدء تنفيذ هذه القيود. وتتضمّن اللائحة الفرنسية أسماء السياسيين المتضرّرين من القيود التي لم يتمّ الإعلان بعد عن طبيعتها بشكل كامل، ولكن عُلم منها أنّها تمنعهم من الدخول الى الأراضي الفرنسية، كما الى بعض الدول الأوروبية والغربية لاحقاً، كون الفرنسيين يعملون مع شركائهم الدوليين لتحقيق هذه الغاية. وقد تتضمّن «العقوبات» إجراءات إضافية كمسألة تقييد تصرّف الشخصيات المستهدفة بأموالها المنقولة وبعقاراتها في هذه الدول وغير ذلك، والمساعي جارية لتأمين موافقة أكبر عدد من الدول الصديقة أو الحليفة لفرنسا على هذه الإجراءات. ولكن حتى الآن، على ما عقّبت، لا تزال بعض دول الإتحاد الأوروبي ترفض اتخاذ مثل هذه الإجراءات وتقول إنّها بحاجة الى المزيد من الوقت لدراستها، فيما يجزم بعضها الآخر أنّه يُعارض فرض عقوبات أوروبية على شخصيات لبنانية. وما أعلنه وزير خارجية المجر (أو هنغاريا) بيتر سيارتو خلال زيارته الأخيرة الى لبنان في 26 نيسان الفائت، بعد لقائه رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، في مؤتمر صحافي مشترك عن أنّ بلاده ستُعارض أي خُطط لفرض عقوبات أوروبية على أكبر حزب مسيحي في لبنان هو «التيّار الوطني الحرّ»، هو أحد نماذج المعارضة الأوروبية للإجراءات الفرنسية.

ولكن لتطبيق الإجراءات الفرنسية بمنع دخول السياسيين المستهدفين الى فرنسا، لا بدّ وأن تقوم بالتنسيق مع دول الإتحاد الأوروبي، إذ بإمكان المتضرّرين من هذه الإجراءات التحايل على هذه الأخيرة، والدخول الى الأراضي الفرنسية من أي دولة أوروبية أخرى يستحصلون منها على «تأشيرة تشينغن». علماً بأنّ بعض تأشيرات تشينغن التي تُمنح اليوم باتت تستثني الدخول الى بعض الدول الأوروبية حتى ولو كانت ضمن الإتحاد الأوروبي، وذلك من خلال إدراج أسماء الدول الأوروبية التي يُمكن زيارتها دون سواها.

وترى المصادر نفسها بأنّ لودريان قد لا يقوم بالإعلان من لبنان عن الأسماء المستهدفة باللائحة الفرنسية التي بات بعضها معروفاً، لكن من المؤكّد أنّه سيقوم بإبلاغ المسؤولين، ولا سيما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، كما رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ومسؤولين آخرين، بأنّها باتت رسمية، وأنّ فرنسا ستتصرّف من الآن وصاعداً على أساسها. وهذا الأمر قد يُشكّل محاولة أخيرة للضغط على المسؤولين في اتجاه تحريك المسار السياسي المجمّد في لبنان منذ أشهر والذي ينعكس بطبيعة الحال على الوضع الإقتصادي والمالي والإجتماعي الذي وصل الى أسوأ حالاته، ما يعني حلحلة الموضوع الحكومي وإحياء المبادرة الفرنسية التي باتت على وشك لفظ أنفاسها الأخيرة.

وأكّدت بأنّ لودريان الذي سبق وأن تحدّث بنبرة عالية خلال زياراته السابقة الى لبنان، ومن غير المستبعد أن يُعيد الكرّة بعد إعلان بلاده القيود، سيوجّه رسائل الى المسؤولين في الداخل لتحريك الملف الحكومي سريعاً بعد أن كانت بلاده قد اتهمت النائب باسيل بعرقلة تأليف الحكومة. فضلاً عن توجيه رسائل أخرى الى دول الخارج لا سيما دول منطقة الشرق الأوسط بضرورة المساعدة على إنقاذ لبنان الذي في حال وصل الى الإنهيار الشامل فإنّ شظايا هذا الإنهيار ستتطال الجميع. فبحسب رأي بلاده، أنّ إفلاس لبنان بشكل تام لا بدّ وأن ينعكس سلباً على سائر دول المنطقة لناحية عدم الإستقرار الأمني فيها، فضلاً عن هجرة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين من لبنان اليها، ولهذا عليها التحرّك فوراً لمدّ يدّ المساعدة له.

وفي رأي الأوساط نفسها، أنّ وزير الخارجية الفرنسي سيُحاول من لبنان إشراك الدول المتوسطية في مسألة الجمود السياسي فيه، في محاولة لتحميل الجميع مسؤولية غرق لبنان، لا سمح الله، في حال استمرار الأزمة الإقتصادية والمالية المتفشية من دون إيجاد حلول لوقفها. وبالطبع سيُعيد تكرار ما سبق وأن قاله مرّات عدّة، بأنّه على المسؤولين اللبنانيين مساعدة بلدهم وشعبه لكي يتمكّن المجتمع الدولي من مساعدة لبنان. فمن دون تشكيل حكومة، لن يجد الداعم الدولي شريكاً رسميّاً له لكي يتكلّم معه ويعقد معه الإتفاقات والمشاريع الإستثمارية، ولهذا فإنّ إبقاء لبنان في ظلّ حكومة تصريف الأعمال ليس الحلّ للأزمة اللبنانية بل حكومة جديدة قادرة على تطبيق الإصلاحات بشكل جدّي. ولهذا يرى أنّ الأمر يعود الى السلطات اللبنانية للإمساك بمصير البلاد والتحرّك فوراً في ظلّ مراقبة المجتمع الدولي للوضع اللبناني المنهار بقلق شديد، ولهذا عليها التحرّك لأنّ الأوان لم يفت بعد، وذلك من خلال وضع المزايدات والمصالح الشخصية جانباً والسعي لتحقيق المصلحة الوطنية العامّة.

وفيما يتعلّق بإمكانية تخلّي فرنسا عن لبنان، وأن تكون زيارة لودريان الأخيرة له، أشارت المصادر نفسها الى أنّ العلاقات التاريخية بين البلدين منذ زمن الإنتداب، وكون لبنان أحد البلدان الفرانكوفونية الأساسية في منطقة الشرق الأوسط، ومقولة أنّ «فرنسا هي الأم الحنون للبنان».. كلّ هذه الأمور تجعل الفرنسي يُمارس سياسة النَفَس الطويل مع لبنان، رغم نقل لودريان امتعاض السلطات الفرنسية من التلكوء السياسي ومن إفشال المبادرة الفرنسية من الطبقة السياسية نفسها التي تعهّدت للرئيس الفرنسي الإلتزام بتطبيق بنودها. وتقول بأنّه رغم القيود والإجراءات التي ستطال سياسيين لبنانيين من بينهم قادة في «التيّار الوطني الحرّ» وفي «تيّار المستقبل»، يبقى لدى فرنسا معطيات مشجّعة حول إمكانية تطبيق المبادرة الفرنسية وتشكيل حكومة متجانسة ومتعاونة يُمكنها القيام بالإصلاحات اللازمة، ويكون فيها التمثيل الوزاري متوازناً، على ما ينصّ عليه «اتفاق الطائف»..

ولفتت المصادر الى أنّ الجديد في زيارة لودريان عن زياراته السابقة للبنان، هو الإعلان عن دخول العقوبات أو الإجراءات الفرنسية على السياسيين اللبنانيين المعرقلين الحياة السياسية حيّز التنفيذ، في آخر محاولة منه لإبقاء المبادرة الفرنسية حيّة.. فإذا من الطبقة السياسية نيّتها في تشكيل حكومة المهمّة الإنقاذية خلال الأسابيع المقبلة يكون قد نجح في محاولته الأخيرة.. أمّا في حال استشفّ من خلال لقاءاته أنّ كلّ طرف أو فريق سياسي لا يزال متمسّكاً بمطالبه وشروطه، فمن غير المستبعد أن يُعلن موت المبادرة الفرنسية، ويُحذّر من نتائج الإنهيار الشامل للبلاد... وليتحمّل عندها المسؤولون الذين أوصلوه الى الإفلاس التام مسؤولياتهم!!!