أكثر من 620،000 مُسجّل... في خطر!

«لكلّ إنسان بوصفه عضواً في المجتمع الحق في الضمان الإجتماعي...»

هذا ما ورد في المادة 22 من الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان الصادر عام 1984 ولبنان واحد من البلدان الخاضعة لهذا الإعلان بكافة مواده.... شكلياً على الأغلب...!

هو ضمان صحّة وكرامة استشفاء وتعويض تعب نهاية خدمة.... في لبنان هو إذاً واحد من الحقوق المهدورة، المكتوبة على الورق فقط!

الخلل هنا فادح، حاله كحال كافة المؤسسات وصرخة المواطن تعلو يوماً بعد يوم في بلدٍ يُذلّ المسؤولون عنه شعبهم حتّى في وجعهم...

«ناريمان» البالغة من العمر 34 سنة روت حكاية معاناتها لـ «الديار»، هي الموظفة في مؤسسة خاصة مُسجّلة في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، راتبها محدود، تزوجت عام2016 ، حمِلت عام 2017 وولدت في نهايته... اليوم في العام 2021 «ناريمان» حامل بطفلها الثاني لم تتلقّ حتّى لحظة إعداد هذا التحقيق أيّ مردود مادّي من مؤسسة الضمان الإجتماعي عن كلّ ما سبق وقدّمته من معاملات أدوية وزيارات الأطبّة...!

اعتمد اللّبنانيون على قانون الضّمان الإجتماعي الّذي يسمح لهم ضمّ أهاليهم الى الصندوق في حال بلوغهم سنّ الـ64 مما يُخفّف من كهل الطبابة والاستشفاء في حال تعرّضهم لوعكات صحّية، إلا أنّ «فراس» لم يعلم أنّ هذا القانون مجرّد حبر على ورق... والد «فراس» مصاب بمرض السرطان الّذي استوطن في رئتيه وهو في الاثنين والسبعين من عمره.

يتأرجح «فراس» بحسب قوله بين مراكز ومكاتب الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي لأخذ إذن خاصّ بالحالات الطارئة (البدعة المستحدثة) بغية تمكنه من متابعة علاج والده المكلف...

أمام هاتين الحالتين النموذجيتين، قررت «الديار» متابعة قضية الصندوق الوطني للضّمان الإجتماعي، فهنا بدأت بالإتصال بمراكز الصندوق المتواجدة في منطقتين مختلفتين من أجل متابعة ملفات «ناريمان» و»فراس» والسؤال عن أسباب عراقيل دفع المستحقات وما يؤخرها إلاّ أنّ الإجابة كانت بالحالتين: «التأخير مش من عنا...»!

عملية البحث عن «التأخير من وين» انطلقت... وبعد تعمّق شديد تبيّن أنّه بسبب تزايد العجز المالي وديون الدولة اللبنانية سنة بعد سنة، سواء الداخلية أو الخارجية. وتزامن ذلك مع صدور العديد من القوانين، التي تحاول عبثا تخفيف ولو جزء من هذه الديون، وإن كان ذلك على حساب المواطن. تراكمت مستحقات مالية للضمان بذمة الدولة، بقيمة نحو 3 آلاف مليار ليرة، نتيجة تخلّف الدولة عن سداد مساهمتها في نفقات المرض والأمومة بنسبة 25%، وإشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان.

فعلى الرغم من ظهور بعض الحلول للمشكلة في الأفق، إلاّ أنّ ذلك لا يبدو حلاً جذرياً، أو إنقاذاً لصندوق الضمان الإجتماعي مما يعاني منه.  إذ يجري الحديث عن نيّة الدولة، دفع مستحقاتها للضمان وفق ما جاء في المادة 70 من موازنة 2019، التي نصّت على تقسيط الديون المتوجبة للصندوق والمتراكمة حتى نهاية 2018، على 10 أقساط سنوية متساوية أي 200 مليون دولار سنوياً.

مع الإشارة الى أنه يترتّب على الديون المُقسّطة فائدة سنوية توازي معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة اي 5%، إلاّ أنّ إعادة دفع الديون المتراكمة للدولة على الضمان، وإن كان بطريقة التقسيط لا يحلّ المشكلة، التي قد تكون أكثر من قضية ديون بكثير. حيث أتّها تتهرّب من تسديد مبلغ 109 مليارات ليرة، عن إشتراكات الضمان الصحي للمتقاعدين.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أنّه يستفيد من هذا النظام حالياً أكثر من 8000 أسرة، ويتوقع أن يرتفع العدد تدريجياً إلى 150 ألف أسرة.

 بريق أمل... التقديمات جارية! 

على الرغم من إرتفاع قيمة المستحقات المالية للدولة بذمة الضمان، إلاّ أنّ ذلك لا يشكّل خطراً على تقديماته الإجتماعية. هذا ما أوضحته مصادر مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأكدت أنّه لا خوف على تقديمات الضمان الإجتماعي،  لعدّة أسباب منها:

- أولاً: أن الدولة أصدرت قانوناً  يقضي، بدفع الملياري دولار (على سعر صرف

سؤالاً عن إمكانية إستفادة كافة المضمونين، في ظل الظروف الـ 1500 ليرة) على مدة عشرة سنوات، أي مئتي مليون دولار في السنة، وفق فوائد بمعدل 5 % .  مما يعني أنّ هذه الأموال سوف تساهم في إستمرارية العمل في الضمان.  

- ثانياً: إستمرار الإستدانة من عوائد الإستثمار للكتلة النقدية .

ويشرح المصدر أنّ هذه الكتلة النقدية تنقسم إلى قسمين:

-الأول: أموال إدخار المضمونين، و الثاني هو عبارة عن عوائد الإستثمار منذ العام 1994 وحتى اليوم، بفوائد سندات الخزينة  والإستثمار. أي أنّ هناك كتلة نقدية متوفرة هي بالدرجة الأولى، أموال نهاية الخدمة  كإدخار للمضمونين، وهذه أموال مضمونة بل أنّ هناك فائضٌ فيها.

-الثاني: الذي يستدان منه لصندوقي المرض والأمومة والتقديمات العائلية، يتم من عوائد الإستثمار، الذي هو أيضاً مؤمن من خلال سداد الدولة،  لكامل الديون التي عليها. أي أن  إدخارات الضمان مضمونة،  بل أنّها فائضة  بمعدل الضعف، بسبب عوائد الإستثمار الحاصل عليها الصندوق  خلال العشرين العام الماضية.

      إستفادة كافة المضمونين...؟ 

يعتمد الكثير من اللبنانيين على خدمات وتقديمات الضمان الإجتماعي، مما يطرح الراهنة. في هذا الإطار، يوضح المصدر أن المضمونين المنتسبين إلى صندوق نهاية الخدمة العامة تستفيد منه الفئات الخاصة.

في الجهة المقابلة، يُطمئن المصدر عبر الديار المضمونين بإستمرار التقديمات الإجتماعية، وبأمان مدخراتهم ولو تأخّرت استحقاقاتها، ومن أجل تأمين دفع الإستحقاقات، تقع المسؤولية في هذا الإطار على طرفين الأوّل وهو القطاع الخاص المُطالب بسداد الأموال الذي يقوم بجزءٍ كبيرٍ منه بدوره،  لذلك فالمطلوب من الباقي أيضاً القيام بدوره أمّا الطرف الآخر وهو الدّولة المسؤولة عن تنفيذ القانون الموجود، الصادر من المجلس النيابي، الذي يقضي  بتسديد المبلغ ودفع الإشتراكات السنوية العادية، وليس تسديد الحساب القديم فقط.   أي يجب أن تسدد الأموال المتراكمة عليها منذ سنوات، بالإضافة إلى الإشتراكات السنوية العادية، حتى لا  تتراكم هي الأخرى.

 معاناة الضمان... 

أما بالنسبة إلى أكبر معاناة للضمان الإجتماعي، فهي عدم القدرة على أداء الدور المطلوب منه، والمنصوص عليه في القوانين. كيف لا وهو محاصر،  وصناديقه مهددة وقد تم وضع اليد عليها فبدل أن يتطور هذا الصندوق ويضيف فئات جديدة، وفق ما ينص نظامه وقانونه، من  وجوب إضافة كافة الفئات، كعمال البناء والزراعة والعاملين في النظافة المنزلية، العمال اليومين وأصحاب المهن الحرّة . كل هؤلاء لديهم الحق في الإستفادة من خدمات الضمان،  فضلاً عن الكثير  من القطاعات الأخرى التي لم يشملها الضمان الإجتماعي.  وهي كلها قطاعات تدّر أموالاً على الصندوق.

تعتبر مشكلة الضمان الإجتماعي إحدى المشاكل العديدة التي نعاني منها  في لبنان. وبالتأكيد هناك الكثير من الشوائب التي ترافق تصرفات الدولة  وطريقة تعاملها مع مؤسساتها. إلاّ أنّ الأهم في هذه الآونة، هو إستمرارية عمل صناديق الضمان، نظراً إلى حاجة المواطن إلى تقديماتها، في ظل تعذره دفع فواتير الإستشفاء الباهظة، وغيرها من الفواتير الطبيّة المرتفعة في بلدٍ مشلول يُحاول لملمة ملفّاته لتقديمها الى صندوق ضمانه علّه يُنشله من مآزقه...!