كان لبنان على عِلم بأنّ العدو الإسرائيلي سيعود الى طاولة المفاوضات غير المباشرة وفق ما سبق للولايات المتحدة الأميركية التي تلعب دور الوسيط فيها أن أبلغته على لسان مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل خلال زيارته الأخيرة للبنان، بأنّ «استئناف المفاوضات سيكون من حيث انتهت». الوفد اللبناني المُفاوض تمسّك، بحسب توجيهات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بالخط 29 الذي كان قد ناقشه خلال الجولات الأربع الأولى من المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع العدو الإسرائيلي التي عُقدت في 14 و28 و29 ت1 وفي 11 ت2. وقد أوقف اعتراض هذا الأخير على الخط 29 هذه المفاوضات ستّة أشهر، كون هذا الخط يملك حججاً قانونية وتقنية قويّة على عكس سائر الخطوط المطروحة من الجانبين.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا لم يستفد لبنان من الأشهر الماضية ولم يعدّل المرسوم 6433 الذي ينص على الإحداثيات الجديدة التي تعتمد الخط 29 بدلاً من الخط 23 كحدود المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان، ويودعه لدى الأمم المتحدة لكي يعود الوفد اللبناني قويّاً الى الطاولة؟! وهل لا تزال الفرصة قائمة للتعديل، وإن جرى تأجيل الجولة السادسة للمفاوضات التي كانت مقرّرة في 5 أيّار الجاري، بعد عقد الجولة الخامسة في 4 منه والخروج منها من دون التوصّل الى اي إتفاق، أو حتى الى مواصلة المفاوضات؟

الأستاذ الجامعي والخبير في قضايا المياه والبحار الدكتور عصام خليفة أوضح لـ «الديار» أنّ الثروة النفطية هي ملك الشعب اللبناني بكامله، لهذا فإنّ عدداً من الخبراء العسكريين والقانونيين والتقنيين وجمعيات الحَراك المدني، يستمرّون بالضغط لتعديل المرسوم 6433 الذي من شأنه تقوية موقف الوفد اللبناني المُفاوض، القوي والمتين أساساً والمدعوم من المعايير والقوانين الدولية، والذي لا يُمكن لأحد دحضه. ولهذا عقدنا أخيراً لقاء عبر «زوم» مع الدياسبورا اللبنانية في عدد من دول الخارج، على ما أضاف، لشرح الموضوع والحصول على الدعم الكافي للمحافظة على ثروة لبنان النفطية. كما قمنا بالإعتصام أمام تمثال ساحة الشهداء تزامناً مع استئناف مفاوضات الترسيم البحري وانعقاد الجولة الخامسة منها أي في 4 أيّار الجاري، للمطالبة بتعديل المرسوم 6433 كما اقترحته قيادة الجيش. وخلال الإعتصام الرمزي أكّدنا على اتهام المسؤولين بالخيانة العظمى وبالتخلّي عن المصالح العليا للوطن، مشدّدين على عدم التهاون في ولوج كلّ الوسائل لتقوية الوفد اللبناني التفاوضي ودعم موقفه الصلب في دفاعه عن حقوق الشعب اللبناني.

ولفت الى أنّ لا أحد يضمن نوايا العدو الإسرائيلي الذي عاد الى طاولة المفاوضات، مدعوماً من السياسة الأميركية، لربما عاد لربح المزيد من الوقت، ولكي يُحكم استعداد باخرة شركة «إنرجين» الآتية من سنغافورة لاستخراج الغاز والنفط من حقل «كاريش» في حزيران المقبل. ولكن مع تأجيل الجولة السادسة منها نظراً لتمسّك الوفد اللبناني بموقفه، سأل الرئيس عون الذي أكّد على دعمه لقيادة الجيش في اعتماد الخط 29 كأساس للموقف الوطني، لماذا لا يُرسل فوراً تعديل المرسوم 6433، كما اقترحت قيادة الجيش الى الأمم المتحدة، لكي يستمرّ الوفد اللبناني بالتفاوض من موقع قوّة فيما لو جرى تحديد موعد الجولة المرجأة من المفاوضات غير المباشرة.وسأل: «ألم ترسل قيادة الجيش اللبناني منذ العام 2013 الرسائل الى مختلف الوزارات المعنية بأنّ المرسوم 6433 فيه إجحاف بحقوق اللبنانيين وأنّه يجب تعديله؟ وألم تُرسل مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش أيضاً، وقد أصبح فيها أفضل الكفاءات ملفاً الى مجلس الوزراء في 9/3/2019 لتعديل المرسوم المذكور، فلماذا لم يبادر مجلس الوزراء قبل البدء في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي بالتعديل؟. ولماذا تسمح منظومة الفساد المتحكّمة بالبلاد بأن تترك الوفد اللبناني المفاوض، والذي أبدى كفاءة ووطنية عالية، أن يستمر في التفاوض على الخط 29 – وهو خط قانوني وتقني - بينما الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية أودع الأمم المتحدة إحداثيات الخط رقم 23 – وهو خط لا يتمتع بالشروط القانونية والتقنية؟».

وعن الأخطاء التي ارتكبها المسؤولون «اللا مسؤولين» خلال السنوات الماضية فيما يتعلّق بترسيم الحدود البحرية، تساءل خليفة «لماذا تعمّدوا الخطأ في ملف ترسيم حدود المنطقة البحرية الخالصة مع قبرص في العام 2007ما سمح للعدو الإسرائيلي بأن يتسلّل من النقطة رقم 1 ليعتدي على حقوقنا؟ ولماذا كلّفوا المكتب الهيدروغرافي البريطاني بترسيم الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة، وتجاهلوا عن سابق تصور وتصميم الخط 29 الذي اقترحه جون براون، من قبل المكتب المذكور، ولم يطرحوه أمام مجلس الوزراء، واختاروا الخط 23 العام 2011؟ ولماذا تعمّدوا أيضاً عدم الإنطلاق من رأس الناقورة تماماً وسمحوا لأنفسهم أن ينطلقوا من 30 متراً شمال هذا الرأس، الأمر الذي انعكس سلباً على حقوق لبنان؟ ولماذ لحظوا التأثير لصخرة تغمرها المياه (صخرة تخليت) وأعطوها التأثير غير المنصف من خلال الخط 23، مع العلم أنّ الجزيرة كما تنص المادة 121، الفقرة الثالثة ضمنها، من القانون الدولي للبحار الصادر عام 1982، يجب أن تكون مسكونة بالناس أو قابلة للسكن البشري؟ ولماذا وافقوا بالتالي على انطلاق «خط هوف» من ثلاثة أميال من رأس الناقورة وليس من الرأس نفسه؟ كلّ هذه الأسئلة مشروعة، على المسؤولين إجابة المواطنين اللبنانيين عليها بكلّ شفافية ومصداقية، سيما وأنّها تحمل على الإعتقاد بأنّ ثمّة مقايضة وخيانة واضحة بالتكافل والتضامن بين زعماء الجريمة المنظّمة. ولهذا لا بدّ من تصحيح كلّ الأخطاء الماضية عن طريق تعديل المرسوم 6433 بإحداثياته الجديدة وإيداعه لدى الأمم المتحدة من دون أي تأخير.

وفيما يتعلّق بالأسس التي وُضعت للتفاوض، تحدّث الدكتور خليفة عن تجاهل «إتفاقية الهدنة» (23 آذار 1949) التي تنصّ على أنّ «خط الهدنة هو نفسه خط الحدود الدولية». كما جرى تجاهل وجود اتفاق ترسيم حدود بين لبنان والعدو بعد اتفاقية الهدنة موقعة من قبل اسكندر غانم عن لبنان وفريد لندر عن»الإسرائيلي» مع خريطة مرفقة، وبحضور مندوب من الأمم المتحدة، من دون معرفة الأسباب أيضاً.

وقال: «لو أخذت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2011 بدراسة المكتب البريطاني وحدّدت الخط 29 بدلاً من الخط 23 كحدود لبنان البحرية الجنوبية، لكان للبنان الأسبقية منذ ذلك الوقت في استغلال حقل «كاريش» كون العدو الإسرائيلي اكتشفه في العام 2013، الى جانب الحقل اللبناني المحتمل في البلوك 9 والمسمّى «حقل قانا». ما يعني بأن تلكوء المسؤولين منذ عشر سنوات أدّى الى خسارة أحقيّة لبنان في هذا الحقل، ويسعى اليوم الى استرداد هذا الحقّ.

واعتبر أنّ ثمّة جريمة منظّمة تُفرّط بحقوق الشعب اللبناني منذ العام 2010، إذ من المعروف أنّ القانون رقم 132/2010 المتعلّق بالغاز والبترول قد نصّ على وجود شركة وطنية تقوم بدورها المحوري في رسم سياسة الدولة اللبنانية التي تتحمّل نصيبها في النفقات والمداخيل. وبقي المرسوم التطبيقي للقانون (رقم 43) مرفوضاً من قبل حكومة الرئيس تمام سلام، وقد نصّت المادة 5 منه على أنّه لن يكون للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى..فكيف جرى تزوير موصوف للقانون، في المرسوم 43، على ما تساءل، وأُقرّ في أول بند في أول جلسة عقدتها حكومة سعد الحريري في العام 2014، وقد وُزّع على الوزراء قبل 48 ساعة، ولاحقاً كيف قبلت هيئة البترول 53 شركة محلية (بينها شركات وهمية) ولم تقبل شركة بترول وطنية؟ وما دور السياسيين في هذه الشركات، والى أي حدّ خسرت الدولة حقوق ملكية الغاز والنفط؟!

وأكّد بأنّ الحجج التي تقدّمها حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب اليوم لعدم تعديل المرسوم 6433 لم تعد تنطلي على أحد، فمئات المراسيم الإستثنائية في فترة تصريف الاعمال صدرت، ومنها مراسيم تتطلّب موافقة ثلثي مجلس الوزراء (كمرسوم التعبئة العامة). فلماذا التذرّع اليوم بالأسباب الدستورية والقانونية لإخفاء المسؤولين تقاعسهم وجبنهم لجهة إصدار مرسوم يُعدّل إحداثيات المرسوم 6433 ويُرسل الى الأمم المتحدة فوراً للحفاظ على المصالح العليا لشعبنا؟!علماً بأنّ المادة 157 من نظام الأمانة العامة للأمم المتحدة تسمح للدول أن تُعدل الوثائق التي تودعها، من طرف واحد، الى الأمانة العامة. وطالب بالكشف عن الجهة الداخلية التي تعارض التعديل لتأمين حقوق الشعب اللبناني.

وبرأيه، أنّه من حقّ الشعب اللبناني أن يربط الأزمة الداخلية العميقة على المستوى المالي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي والتربوي والصحي وغيرها بإرادات خارجية تسعى لإخضاعه وتخلّيه عن حقوقه في ثروته الغازية والنفطية.فثمّة مئات مليارات الدولارات قد نُهبت من هذا الشعب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، على ما قال، والمجاعة اليوم تدقّ أبواب الأكثرية الساحقة من أبناء الوطن، ولهذا فإذا تمكّنوا من سرقة الماضي والحاضر، إلاّ أنّنا لن نسمح لهم بسرقة المستقبل. من هنا، دعا الدكتور خليفة الى تحرّك الديبلوماسية اللبنانية في العالم، واستنفار جميع الطاقات اللبنانية لدى الدول الكبرى والصديقة، لتُشكّل «ظهيراً قويّاً للوفد اللبناني المفاوض».

كما وجّه رسالة الى المتقاعسين والمتخاذلين والمفرّطين بحقوق الشعب اللبناني من أهل السياسة، مفادها أنّ «هناك اليوم رجال قانون منكبون مع نقيب المحامين في بيروت على دراسة الطرق القانونية التي يُمكن من خلالها إدانة خونة الداخل من السياسيين المتهاونين بهذه الحقوق» فضلاً عن تحضير مذكرة من قبل مجموعات الإنتشار اللبناني في كلّ من فرنسا وأوروبا موجّهة للسلطتين التنفيذية والتشريعية عن ضرورة تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة.. وشدّد على أنّ الشعب اللبناني سيُواصل تحرّكه داخل الوطن وفي بلدان الإغتراب دعماً للوفد المفاوض وإصراراً على الخط 29، ولن يدع أحداً يرتاح ومصالح الشعب وثروته النفطية مهدّدة من قرصان الخارج والداخل، والأيام المقبلة ستكون شاهدة على ذلك.