قيل: «ضع قليلا من العقل على قلبك حتى يستقيم وضع قليلا من القلب على عقلك حتى يلين».

كيف لنا السبيل الى ذلك؟ كيف نقيس هذا القليل؟

متى نطبّق هذا القول؟ هل هذا الامر ضروري في الحياة؟

هل النفس البشرية بحاجة الى هذا التزاوج؟

هل إنصهار العقل والقلب في بوتقة النفس تنتج توازنا؟

ما هو دور التربية والدين في هذا التكامل؟

صراع يقودنا في بعض الاحيان الى حرب ضروس تنتج عنها اضطرابات نفسية وجسدية وقرارات خاطئة واحيانا مميتة فيكون تأثيرها على مسيرتنا في الحياة مدمّرا.

اما في احيان اخرى يقود هذا الصراع الى تزاوج الاثنين وانصهارهما في بوتقة النفس فينتج عن ذلك نفس متكاملة ومطمئنة وفكر نيّر ومنطق مقبول.

اذا نحن في حياتنا نقف دائما امام هذا المشهد ونسعى مجتهدين الى خلق توازن فعّال ومنتج فلا يصحّ ان تقودنا عقولنا بمعزل عن قلوبنا فنغدو كالقوس بلا وتر وكالزهرة بلا عطر مجردين من احاسيسنا وعواطفنا كما لا يصحّ ان تأخذنا قلوبنا الى اماكن خالية من الفكر والمنطق تغلّبها العواطف الجياشة فنصير كتلة من المشاعر تتقاذفنا هموم الحياة نقف امامها مكتوفي الايدي عاجزين قبالة التحدّيات المصيرية فلا الفعل يعمل عمله ولا المنطق يفعل فعله.

امام كل هذا المدّ والجزر ماذا ينبغي ان نفعل؟

ما هي الخطوات العملية التي تقودنا الى تكامل في دور العقل والقلب؟

كيف نأخذ قراراتنا؟ وهل نحن نأخذها بالفعل؟

اسئلة عديدة تطرح مجددا اذ ان الفلاسفة عبر التاريخ وعلماء النفس ورجال الدين طرحوا هذه الجدلية من باب وجودية الانسان ودوره في الحياة.

كلّنا يدري انه بالرغم من التطور العلمي والثورة المعرفية والرقمية للانسان الاّ انه لا يزال يبحث عن اسرار هذين اللبين ولا تزال جدلية المفاضلة بينهما قائمة فمنهم من يغلّب العقل على القلب ومنهم من يفعل العكس وآخرون يمزجون بين الاثنين وآخرون لا دور للعقل ولا للقلب عندهم.

وهنا يمكن ان نتطرّق الى هذا الصراع من باب التكامل بين البشر رجالا واناثا اذ ان المرأة متهمة بأنها عاطفية اكثر من الرجل وتفاضل القلب على العقل بينما الرجل هو اكثر عقلانية من المرأة وهو منحاز الى العقل والمنطق اكثر. وكم من دراسات ونقاشات وحلقات حوار اقيمت لمعرفة اكثر عن دور العقل والقلب في اخذ قراراتنا في الحياة.

كذلك الأمر فان الاديان تناولت هذا الموضوع من بابه العريض.

عند المسيحيين يقول السيد المسيح: «طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله».

أي ما معناه، ما أسعد هؤلاء الأشخاص فانهم كاملون بالحبّ امام وجه الربّ وهنيئاً لهم بالسعادة الأبديةّ في سعيهم الى السيّر في سبل الله لمعاينته، أذ ان المسيح وعدهم كما جاء في انجيل متى بأن أجرهم عظيم في السماوات.

وفي المقابل نرى أن السيد المسيح طلب من اتباعه ان يكونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمام. بمعنى أن يغلّب المؤمن عقله ويختبىء في المسيح كما تفعل الحيّة وتختبىء في الصخر عند الضرورة وانه على المؤمن أن يفكر بمنطق ويسلخ عنه جلده العتيق، كما تفعل الحيّة، ليخرج الى حياة جديدة يلبس فيها انساناً جديداً.

عند الاسلام، فقد تناول علماء الدين هذا الموضوع من باب القرآن الكريم، اذ أن التصوّر القرآني في مساحاته التعبيريّة الواسعة والعميقة والمعيوشة عن العقل والقلب، يثبت تلازميّة العلاقة بينهما، بل أكثر من ذلك، ضرورة الاقتران بين هذين المحركين، فالقلب هو مركز الفهم والفقه ووسيلة التعقّل والادراك كما جاء في قوله تعالى: «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها».

أما عند علماء السلوك والتربية الروحية، نرى أن الروح هي مصدر الفعالية لكل من العقل والقلب، اذ أن الروح هي المحرّك الاساسي لخلايا العقل وعضلات القلب فتنبعث الحياة من خلال الادراك والوعي والأحاسيس.

امام كل هذه المقاربات الدينية والفلسفية والسلوكيّة، هل يسلّم الانسان ذاته لذاته، أم يسلّم نفسه وقلبه وعقله للخالق؟ أم يقف متفرّجاً؟

هنا يبدأ دورنا في أخذ القرار منفردين، متكلين على العقل والمنطق والقرار الشخصي البحت من خلال الادراك والحدس او من خلال حكمة الرب او من خلال الأثنين معاً.

هذا بحدّ ذاته قرار صعب وهنا يبدأ التحدّي، فأمام القرارات المصيريّة في الحياة كالزواج والمهنة والدين والهجرة...

يجب على الانسان ان يعي أهمية اختياره لما لهذا القرار الدور الحاسم في اغلب الاوقات في تحديد مسيرته

ان كان في العمل أو الزواج أو المعتقد وفي حياته المستقبلية عامة.

هنا يسعني القول أنه اذا استند أخذ القرار على المزج بين المنطق والشعورالشخصي والخبرات السابقة والقيم والتجارب التي يعيشها هذا الشخص وبين التسليم الى الرب فسيكون القرار صائباً بنسبة عالية. وهنا أنصح كل فرد ينوي أخذ قراراً مهماً او هو على مفترق طرق في حياته أن: يجمع المعلومات الكافية عن الموضوع

يتجنّب اتخاذ القرار المبني على العاطفة فقط أو العقل فقط

يأخذ وقتاً كافياً للاستشارة قبل اتخاذ القرار يفكّر ملياً في الموضوع على المدى القريب والبعيد يقيس سلبيات وايجابيات هذا القرار

يحدد الاولويات ويبتكر بدائل في حال التعثر يقيّم اثر القرار وتعديله اذا اقتضى الامر وأن يكون قد طلب حضور الرب في كل خطوة ينوي الاقدام عليها.

في الخلاصة أقدر ان اقول بأن الاشخاص الذين يتخذون قراراتهم بناء على ما يهواه القلب وما يقتنع به العقل يحقّقون نجاحاً كبيراً في المجال المهني ويعيشون حياة سعيدة ومستقرّة في نهاية المطاف.

ويبقى التوفيق من عند الربّ!