لا أثر لنا، لا دور لنا، حتى حين يتغير دوران الكرة الأرضية. كيف يكون لنا من أثر، من دور، أمام الهمجية الاسرائيلية على أهل فلسطين، وأطفال فلسطين، وارض فلسطين؟

أياً تكن نتائج المفاوضات في فيينا، وأياً تكن تداعيات الصراع بين أميركا والصين، واياً يكن مكان روسيا بين الأمبراطوريتين، لا يبدو أن لنا موطئ قدم في هذا العالم. ربما في هذا القرن...

لا ندري أهي غيبوبة التاريخ، أم غيبوبة الايديولوجيا؟

الآخرون يعبثون بنا كما الرسوم المتحركة. ذات يوم سأل عبدالله العروي ما اذا كنا، يوم القيامة، سنثير حيرة الله. أين يزج بنا بعدما خرجنا من «الحالة البشرية»، وكدنا نتحول الى... ظاهرة داروينية!

حين نكون أمة اللامعنى. أي معنى، اذاً، للصراع العربي ـ الاسرائيلي، وللصراع العربي ـ الايراني، وللصراع العربي ـ التركي، والآن للصراع العربي ـ الأثيوبي.

مصر أم الدنيا، ويفترض أن تكون أمنا، ضائعة ومرتبكة، ان لم نقل عاجزة أمام غطرسة «النجاشي»، حتى أنها استغاثت بالأرمادا الديبلوماسية الأميركية، ليظهر جيفري فيلتمان، بكل عشقه لنا، وهو يتنقل مكوكياً بين القاهرة واديس ابابا.

وكنا نتوقع، بتلك الرومانسية البلهاء، أن نرى القاذفات المصرية وهي تحلق عند الحدود الأثيوبية، وحتى فوق سد النهضة، لتثير الهلع لدى آبي أحمد، ويمتنع عن ملء المرحلة الثانية، المرحلة القاتلة، من السد.

مصر المتوجسة من أي مغامرة عسكرية عقدت صفقة مع فرنسا لشراء 30 طائرة من طراز «رافال». استعداداً لحرب كبرى دفاعاً عن وجودها، وقد وصفها هيرودوت بـ «هبة النيل»، أم لتنام، كما مئات الطائرات الأخرى، في المستودعات؟

السودان، الضحية الأخرى للسد، حدّث ولا حرج. جنرالات للايجار، وجنود للايجار. ما لذلك البلد الذي طالما راهنا عليه ليكون سلة غذاء العرب لا يتضور جوعاً فحسب بل ويتفكك قطعة قطعة؟

ذاك اللوح الخشبي الذي يدعى عبد الفتاح البرهان مد يده (وظهره) الى بنيامين نتنياهو بعدما تلقى وعوداً من دونالد ترامب بانعاش الاقتصاد المنهك، فاذا به يأمر البرهان اياه بدفع 335 مليون دولار تعويضاً لضحايا «عمليات ارهابية» قام بها كارلوس وغيره. الخرطوم التي تعيش على الملاليم دفعت المبلغ، ولا يزال الاقتصاد المدمر هو الاقتصاد المدمر.

بحثنا عن أصل يعرب بن قحطان لندري ما اذا كنا نتحدر من قايين أم من هابيل. اختلف المؤرخون بين أن يكون من نسل اسماعيل أو من نسل هود. ما الذي حمل البحتري أن يتغنى به فيما تلاحقنا نحن، لعنة يعرب بن قحطان؟

رئيس تحرير صحيفة خليجية اتصل بنا عاتباً، ولائماً. أخذ علينا قولنا ان الأساطيل الأميركية تحمي حتى غرف نوم غالبية حكامنا، وأولياء أمرنا. سأل «أين نحن، يا صاحبي، من اليابان، ومن ألمانيا؟ الدولتان، ودول أوروبية وآسيوية كثيرة، ارتبطت، استراتيجياً، بالولايات المتحدة، لحماية وجودها».

فات صاحبنا أننا ما زلنا دون الدول، وحتى ما دون القبائل. اليابانيون أزالوا الركام ليس فقط من هيروشيما، وليس فقط من طوكيو، التي بقيت 300 قاذفة أميركية تضربها لليلة كاملة، وانما من رؤوسهم أيضاً لتغدو دولتهم الثالثة عالمياً في الاقتصاد.

أليست هذه حال ألمانيا؟ لعلكم تذكرون قول كونراد اديناور «ألمانيا لا تبكي بل تبني». ها هي الآن الاقتصاد الثاني، وقد تحولت الى قاطرة للقارة العجوز...

من باريس، استفاق الطاهر بن جلون، الحائز جائزة غونكور، ليقول «قد نكون بحاجة الى مانيفستو اليأس». لا أمل في أن يقف العرب على اقدامهم ما داموا قد فهموا الله هكذا... البقاء على تخوم الغيب التي هي، بشكل أو بآخر، تخوم العدم.

بين دولنا المحطمة، ومجتمعاتنا المحطمة، لا فارق بين ثقافة القبور وثقافة الأقبية. برنار ـ هنري ليفي، عرّاب «الربيع العربي»، لم يجد أمامنا من سبيل سوى أن نطوف حول الهيكل. لن نكون الجواري (الديدان البشرية) بين يدي يوشع بن نون...