هذه أيام كبرى. لا داعي لاحتساب الضحايا. أفضل بكثير من أن نكون أنصاف الموتى. أيام عرّت حتى عظام الأنظمة العربية، وحتى عظام الشعوب (القبائل) العربية. عرّت لبنان، وعرّت تركيا، وعرّت أميركا. الأهم أنها عرّت «اسرائيل» التي لم تعد الابنة الكبرى لله!!

لبنان ليس فقط في نقطة التقاطع بين البقاء واللابقاء. هو في ذروة التصدع. لم نكن نتصور أن الشقاق بين الأكثرية السنية والأكثرية الشيعية يمكن أن يصل الى هذا الحد من الكراهية. نسوا أننا في القرن الحادي والعشرين، وأننا نزهو بتفاعلنا مع ديناميات الحياة قبل أن يبدأ اللهاث، وبفعل الكونسورتيوم الطائفي اياه، وراء تنكة البنزين، ووراء علبة الحليب، وحتى وراء رغيف الخبز..

في أوج الغارات على غزة، لاحظنا مدى الافتراق بين الطوائف الاسلامية. هناك من انبرى لشن حرب عشواء على حزب الله لكونه يسيطر على مفاصل الدولة، وهناك من أتهمه بأنه، خدمة للمصالح الايرانية، قد يزج لبنان في أتون صراع لا يبقي ولا يذر. المضحك المبكي أن هناك من راح يسأل: أين صواريخك يا نصرالله؟

لا مجال للمقارنة بين الشقاق الاسلامي ـ الاسلامي والشقاق المسيحي ـ المسيحي في لبنان. الشقاق بين المسلمين هو نبش القبور الذي طاول حتى البنية الايديولوجية، والبنية الفلسفية، للاسلام الذي دخل في مأزق تاريخي منذ أن كان النبي على فراش الموت.

التصدع بين المسيحين نتاج صراع شخصي، آني، لا علاقة له بالنظرة الى الغيب أو بالنظرة الى أساقفة الغيب، وان كان للصراع أن يأخذ منحى دموياً في بعض الأحيان.

أين هو رجب طيب اردوغان، خليفة المسلمين يبعث بالنيوانكشارية الى غزة، أو الى الجولان، بدل أن يبعث بها الى ليبيا واذربيجان؟ تابعوا، من فضلكم مواقفه الببغائية، بل مواقفه الدونكيشوتية من تل أبيب.

لم نكن نتصور أن جو بايدن يمكن أن يكون «اسرائيلياً» الى هذا الحد. حين كانت الأبراج تتهاوى على أهلها (مئات القاذفات وآلاف الغارات)، كان يندد بالرشقات الصاروخية على المدن الاسرائيلية. الأمبراطورية العرجاء؟

هذا ما أثار معلقين أميركيين انتقدوا بشدة التجاهل المطبق للقتلى الفلسطينيين، كما انتقدوا السياسات العمياء التي درجت عليها الادارات المتعاقبة، قبل أن تصدر بيانات على شيء من الاتزان والتوازن، لعل تعديلاً ولو محدوداً يطرأ على المواقف الأميركية حيال الملف الفلسطيني بعدما أخذ ذلك البعد التراجيدي المروع.

«اسرائيل» العارية. اليمين يزداد همجية. في البداية، لا دولة فلسطينية لأنها تنفي، جدلياً، الدولة اليهودية. الآن واثر المواجهات التي حدثت في اللد وفي حيفا ويافا، اضافة الى مدن أخرى، لا عرب داخل الخط الأخضر، بل لا عرب في الضفة والقطاع «لأننا لا نستطيع أن نتحمل تلك الظواهر الهتلرية في عقردارنا وعلى تخومنا»، كما لو أن بنيامين نتنياهو ليس هتلر القرن ولا هولاكو القرن...

للوهلة الأولى ظن زعيم الليكود أنها الفرصة الذهبية للذهاب بالصراع الى حدوده القصوى. اجتياح غزة وترحيل أهلها الى شبه جزيرة سيناء. بالتزامن، وتحقيقاً لرغبته في البقاء في السلطة الى الأبد، استشار أركان «اللوبي اليهودي» في الولايات المتحدة حول الحرب ضد ايران.

هؤلاء رأوا أن أي حرب، في ظل الادارة الحالية، شبه مستحيلة ان لضرورات استراتيجية أميركية أو لأن مئات آلاف الصواريخ ستنقض على المدن، والمنشآت الاسرائيلية الحساسة، وهو ما لا مجال لتحمله.

على مدى السنوات المنصرمة، كانت «القيادة الاسرائيلية» تضغط من أجل تفجير الصدام العسكري بين الولايات المتحدة وايران التي هي المصدر الرئيسي، ان لم تكن المصدر الوحيد للصواريخ على أنواعها.

لنتوقع حملة مركزة على ادارة بايدن لمنعها من العودة الى الاتفاق النووي، حتى اذا ما فشلت المفاوضات أتت صناديق الاقتراع بخليفة لحسن روحاني يرفع شعار القتال ضد «الشيطان الأكبر»، وتابعه «الشيطان الأصغر».

العرب بحاجة الى صلاح الدين الكردي، أوالى الظاهر بيبرس التتاري، أو الى طارق بن زياد الأمازيغي، أو الى محمد علي باشا الأرناؤوطي. لا مكان لا لعنترة بن شداد، ولا للزير المهلهل، ولا لأبي زيد الهلالي.

لمن شاهد شاشاتنا الموقرة: هذا زمن عبد الباري عطوان. انها... كوميديا الضفادع!!