عاقل يفهم

نحن بالتأكيد نعرف الكثير من الناس الذين لديهم خدمة رائعة في مجتمعنا أو في عائلاتنا، أحياناً نراهم يخدمون واحيانا اخرى لا نراهم، بل لا ندري بخدمتهم لانهم يعملون بصمت.

في الحياة روح الخدمة أساسية، ففي انجيل متى تُعلّمنا كلمة الله ان ابن الانسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم وانه يجب علينا ان نتّبع هذا المثل لخدمة الوطن والآخرين،

الآخرين الذين هم حولنا، الذين نراهم والذين لا نراهم في الكثير من الأحيان. الآخرون هم الضعفاء المهمشون، التعساء والحزانى الذين هم بحاجة الينا. ولا أدري اذا كنا نحن بحاجة اليهم!

في الحياة يسمو الانسان بقدر ما يعطي ويَخدم لا بقدر ما يأخذ ويُخدم، لأن في العطاء والخدمة الحقيقية يعطي الانسان من نفسه ومن ذاته فتتجوهر هذه النفس الذاتية وترتقي الى مصاف روح الله.

على الرغم من أن الخدمة على مستوى القيم الانسانية، هي ليست في المقدّمة، لكن على مقياس: «كيف يُقدّر الله الأشياء؟» هي الأعلى رتبة في سُلّم التقديمات، هي الأرفع قيمة في معايير التواصل الاجتماعي بل هي الأسمى منزلة عند الرب والأقرب الى قلبه وجوهره.

ومثالاً على ذلك مريم العذراء، والدة المسيح، هي نموذج ساطع في تعاليم الكنيسة من خلال الخدمة والرعاية والتضحية، فكانت الأم المثالية في تربية ابنها وتنشئته. كذلك فعل يوسف النجّار فكان المثل الأعلى الذي احتذى به ابن مريم في الخدمة والعمل الجاد والالتزام والتضحية أيضاً.

يقول البابا فرنسيس: «إن الخدمة هي خدمة أي شخص يحتاج الينا سواء كان قريباً او بعيداً».

ويقول الربّ: «وأما أنتَ فمتى صنعتَ صدقة فلا تُعرّف شمالك ما تفعل يمينك».بما معناه يا أيها الانسان، اخدم بصمت تام ولا تدع عملك تحت المجهر والأضواء.

إذاً نحن مدعوون الى الخدمة في أيّ مجال كنا وفي أي مكان وزمان ومهما كانت طاقتنا البشرية والمادية بل مهما كانت طاقتنا النفسية. نحن مدعوون الى الخدمة بصمت بعيداً عن ضوضاء العالم.

الخدمة هي عمل مستمر، بل مسيرة حياة، هي كالزرع في الأرض الخصبة هي كحبة الخردل وكسنبلة القمح.

أن تخدم يعني أن تعمل دون ملل ودون راحة ودون مقابل كما يعمل الربّ معك في كل صباح وفي كل مساء. كما تعمل الأم مع أطفالها على مدى حياتها وكما يعمل الأب الصالح في بناء عائلته وتحصينها.

أن تخدم يعني أن تعطي من قلبك وفكرك وروحك وذاتك،

الخدمة هي اذاً اكثر بكثير من مجرّد اعطاء ما بين يديك وما هو بمقدورك؟

الخدمة هي إعطاء المودة واللطف والدفء والدعم النفسي والمادي ايضاً بسخاء دون أي انتظارات. اذاً هي أحاطة لشخص بكليتنا وبقدرتنا وجوهرنا الالهي.

الخدمة هي نشر الفرح وتبادل القيم، هي الايمان بفردية الشخص المقابل هي تبادل الاحترام والامتنان بينك وبينه.

الخدمة هي زرع الأمل في نفس الآخر، هي الصلاة الصادقة على مذابح الحياة، هي الصوم المطلق عن بهرجات الدنيا وضوضائها، هي العفّة والزهد عند الناسك وهي الطاعة الكاملة عند الراهب.

هنا يسعنا ان نطرح على أنفسنا أسئلة عديدة:

هل هناك ما يمنعنا من خدمة الآخر؟

هل نحن قادرون على الخدمة ام لا؟

هل نخدم من يخدمنا فقط؟

هل نحيا ونتنعّم بنعم الربّ دون مشاركة الآخر؟

والردّ يأتي من عند الربّ، لا تسأل نفسك ان كنت ستتمكّن من الخدمة أم لا. لا تسأل عن الوقت والقدرة ولا تسأل من هذا الشخص المقابل، بل بادر وانطلق بشجاعة واقبل التحدّي واجعل موهبة الخدمة تستطع في السماء العالية وقلب الله، اذ ان التردد في الخدمة والعطاء يفقدهما قيمتهما.

ثق فقط في ان الرب سيمسك بيديك وسينير عقلك وسيثبت خطواتك لأن ما ستفعله مع هذا الصغير على الارض هنا يكون مقدراً ومرضياً عنه في السماء هناك فكل زيارة مريض وكل اطعام جائع وكل مواساة حزين وكل مساندة ضعيف هي بمثابة خدمة الى الرب مباشرة.

على الصعيد الوطني يجب ان نكون كلنا خداماً لهذا الوطن، كلنا عاملين من اجل تقدم وازدهار هذا الوطن.

لا تقل ماذا قدّم لي وطني! بل قل ماذا ينبغي عليّ ان أقدّم لوطني وبماذا أخدم وطني.

فالجيش والمعلمون والأطباء والكثير من العمال الشرفاء هم المثل الأعلى في خدمة الوطن ومواطنيه.

هؤلاء العمال الرازحون تحت خط الفقر بصمت مهيب هم القدوة الحسنة وهم الصورة الحقيقية للخدمة.

اذاً مهما كان موقعك في هذا الوطن، اخدم ولا تمل، بل ابذل نفسك لأجله واعط من ذاتك لحمايته.

في الختام اطلب من الرب ان يستخدم حياتنا لأشياء عظيمة وأن يجعلنا ندرك فرح هذا العطاء وهذه الخدمة لنستمر في الخدمة ولنمجّد اسمه.

هذه الازمنة الجديدة بحاجة الى اجوبة جديدة بل الى خدمة جديدة.

اخدموا بفرحٍ وقداسة فَتَرَوْنَ وجه الله!