لو زار «الحاخام الأكبر» يتسحاق يوسف قبر تيودور هرتزل (في جبل هرتزل)، وسأل «أين نحن الآن؟» لأجابت عظامه «لقد خذلتموني، وخذلتم يهوه، بغطرستكم حين حولتم أرض الميعاد الى أرض جهنم!»

للعلم فقط، رجب طيب اردوغان، خليفة المسلمين، زار القبر، ووضع اكليلاً من الزهر عليه، كما دوّن كلمة يستشف منها أن اسم مؤسس الصهيونية الحديثة ورد في القرآن الى جانب أسماء يعقوب ويوسف واسحاق...

حقاً، أي «اسرائيل» الآن؟ باستطاعة بنيامين نتنياهو أن يلقي قنبلة نووية على غزة لتحقيق حلم دافيد بن غوريون، وغولدا مئير، وباستطاعته أن يمنع الهواء عن الضفة، لكنه لن يستطيع زحزحة الفلسطينيين.

هنا المأزق الوجودي. ماذا اذا باتت «اسرائيل»، بعد عقد من الزمان، داخل غابة من الصواريخ؟ لكأن «الحاخامات» يستعيدون بهلع النص التوراتي «ولولي ايتها الأبواب، اصرخي أيتها المدينة»...

لهذا بدأت تعلو أصوات «يهودية» في الغرب بأن «اليمين الغبي» يقود «الدولة العبرية» الى الجحيم. زئيف جابوتنسكي قال «لتبق ذاكرتنا ذاكرة النار». كيف يمكن، اذاً، الرهان على موت الذاكرة الفلسطينية، أو على تكيّف الفلسطينيين مع «الواقع الاسرائيلي» باعتباره ظلاً للواقع الأميركي؟ ما حدث في الأيام الأخيرة، والصواريخ تدوي في أرجاء المكان، أثبت فعلاً أن «اسرائيل» أوهى من بيت العنكبوت.

«الذهول الاسرائيلي» بدا جلياً اثر ظهور لغة مختلفة، الى حد ما، في وسائل الاعلام الأميركية. خوف على مصير «الوديعة الالهية» اذا ما بقيت الطبقة السياسية تعاني من «البارانويا الايديولوجية»، دون أن تأخذ بالاعتبار أن مفاهيم (وأدوات) أخرى للقوة باتت تتحكم بالميدان.

جو بايدن، بالعلاقات المرتبكة مع بنيامين نتنياهو، كان عليه ألآ يرتكب اي خطأ يثير غضب «اللوبي اليهودي». بادر الى تزويد «القاذفات الاسرائيلية» بما يلزم من الصواريخ والقنابل التي مهمتها قتل الفلسطينيين (المدنيين تحديداً).

بعيداً من الضوء عرض ارسال منظومة باتريوت، «تل أبيب» رفضت لأن ذلك يعني التشكيك الدراماتيكي بفاعلية القبة الحديدية المعروضة للبيع حتى لـ... بلدان عربية.

بالرغم من ذلك، ثمة تعليقات في واشنطن تعتبر أن نتنياهو ليس في وضع مثالي. لعله لاحظ أن الطريق العسكرية لا توصل الى مكان. خائف من حدوث صدمة لدى «الاسرائيليين» الذين بدأوا يثيرون الاسئلة حول الصواريخ الايرانية، وحول صواريخ حزب الله التي لا بد أن تكون أشد هولاً وأكثر دقة.

اليمين هو الذي يمسك الآن بالمفاصل السياسية والعسكرية في «الدولة اليهودية». رجاله بأدمغة الديناصورات، ولكن حتى الديناصورات يمكن أن تهتز. هل يمكن لهم أن يقتنعوا بأن الطريق الديبلوماسي يحمي «الدولة العبرية»؟ المثال في معاهدة السلام مع مصر وفي اتفاق وادي عربة مع الأردن.

انهم أصحاب العيون المقفلة. يعتبرون أن الفلسطينيين لا يمكن أن يقبلوا بدولة منزوعة السلاح (حتى من سكاكين المطبخ)، فاذا ما قامت دولتهم وتمكنوا من بناء ترسانة عسكرية لا بد أن يفكروا بـ «فلسطين الكبرى» التي تحاصر «اسرائيل» حتى من داخلها. هذا ما يمكن أن يحدث حقاً...

اليهود الراديكاليون مثل الاسلاميين الراديكاليين في زمن آخر. حين كانت الغارات الاسرائيلية في ذروتها، كان مقاتلو «تنظيم الدولة الاسلامية» (داعش) يفجرون مسجداً في كابول. ثمة فقهاء اسلاميون يفهمون الاسلام هكذا. عودوا الى كتاب «الاقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» لمحمد بن محمد الشربيني شمس الدين، وهو أحد فقهاء القرن العاشر هجري، لتجدوا العجائب.

على ضفتي الأطلسي خوف مما يمكن أن ينتظر «اسرائيل» اذا ما بقي اليمين على جنونه (وسيبقى). نصيحتهم بعدم الدخول الى التسوية من الأبواب الخلفية، كما كان شأن مسلسل التطبيع. الفلسطينيون هم أصحاب المشكلة، ولا بد من الجلوس معهم بعيداً عن معادلة الذئب والحمل...

هذا هو المستحيل في الوقت الحاضر. لكنه ليس المستحيل في وقت آخر اذا ما حدث، كنتيجة لصدمة الصواريخ، تغيير في رؤوس الديناصورات..