السعودية تعوّل على المحادثات بينها وبين إيران

قام وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه بتصحيح الخطأ الذي ارتكبه في لحظة غضب خلال التصريحات التي أدلى بها خلال مقابلة تلفزيونية أدّت الى توتّر العلاقات مع السعودية ودول الخليج… ولكي لا تتفاقم الأزمة الديبلوماسية بين لبنان وهذه الدول وتصل الى حدّ قطع العلاقات فيما بينها، سارع وهبه الى تقديم طلب إعفائه من مهامه ومسؤولياته كوزير للخارجية من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب «حرصاً منّي على عدم استغلال ما صدر للإساءة الى لبنان واللبنانيين»، على ما قال، وذلك بعد إصدار بيانين توضيحيين اعتذر في أحدهما عن بعض العبارات التي صدرت عنه في معرض الإنفعال... ولكن يبدو أنّ اعتذار وهبه لم يكن كافياً ما استدعى تقديمه طلب الإعفاء من مهامه لكي لا يؤخذ كلامه على أنّه يمثّل الرئيس عون كونه من الوزراء المحسوبين عليه، وكان مستشاراً له للشؤون الديبلوماسية قبل تولّيه حقيبة الخارجية خلفاً للوزير ناصيف حتّي. علماً بأنّ بيان الرئاسة كان قد عبّر عن هذا الأمر وتنصّل من «إساءات وهبه» للدول الشقيقة والصديقة إذ نصّ على أنّ «ما صدر عن وزير الخارجية من مواقف يعبّر عن رأيه الشخصي ولا يعكس موقف الدولة والرئيس».

غير أنّ تصريحات الوزير وهبه التي أثارت موجة من الإستياء وأقامت الدنيا ولم تُقعدها، وأدّت الى استدعاء كلّ من السعودية والإمارات والكويت والبحرين سفراء لبنان وأصدرت شكاوى رسمية في إشارة الى توتّر العلاقات بين لبنان ودول الخليج، قد جرى انقسام داخلي حولها… فالبعض أيّد كلام وهبه ورأى فيه إنفعالاً كان يُمكن أن يلجمه بعبارات ديبلوماسية أكثر كونه يُعتبر رأس الديبلوماسية اللبنانية، رغم أنّ الحكومة في طور تصريف الأعمال، والبعض الآخر رفض ودان ما قاله جملة وتفصيلاً، وذهب الى حدّ المطالبة بمحاسبته على «الخطيئة» التي ارتكبها بحقّ السعودية ودول الخليج التي تقدّم المساعدات العسكرية للبنان وتقف دائماً الى جانبه. فيما تعجّب البعض كيف أنّ حلفاء الداخل استشرسوا في شجب واستنكار ما جاء على لسان وهبه وطالبوا بـ «محاكمته على هذا الذنب»، من وجهة نظرهم، فيما تغاضوا عمّا قاله الضيف السعودي (رئيس لجنة الصداقة السعودية - الأميركية، على ما عرّف عن نفسه) سلمان الأنصاري خلال المقابلة التلفزيونية نفسها، ويُعتبر إهانة لمقام رئيس جمهورية لبنان.

ورغم أنّ خطوة وهبه جاءت «من أجل مصلحة لبنان واللبنانيين التي تتقدّم على كلّ المصالح والحسابات الأخرى»، على ما قال، متمنياً «إقفال هذا الموضوع بالكامل»، تحوّلت دارة السفير السعودي في لبنان وليد البخاري في اليرزة الى مقصد لكلّ حلفاء الداخل. فقد أمّت وفود سياسية ودينية دارة البخاري الأربعاء مستنكرة ما صدر من إساءات بحقّ السعودية ودول الخليج على لسان وهبه الإثنين. وقد وقف الحلفاء وقفة تضامنية مع الدول الشقيقة لا سيما منهم مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان، وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن على رأس وفد من مشايخ الطائفة، وفد من كلّ من «القوّات اللبنانية» و»تيّار المستقبل» و»الحزب الإشتراكي»، وفد من طرابلس وعكار برئاسة مفتي عكّارالسابق الشيخ زيد زكريا، قاضي طرابلس الشيخ سمير كمال الدين، النائب فؤاد مخزومي، وسواهم. وكانت لهم تصريحات أعلنوا فيها عن أنّ كلام وهبه مرفوض ومُدان ومستهجن وفيه إساءة للبنانيين قبل الإساءة لدول مجلس التعاون الخليجي، وأكّدوا على صلابة العلاقة بين لبنان ودول الخليج وعلى المسارعة في رأب الصدع.

أمّا البخاري فكانت له دردشة مع الصحافيين قال فيها إنّ «ما أكسب احترام المملكة للخصوم والحلفاء في المجتمع الدولي أنّ لديها خطاباً سياسياً واحداً في العلن وفي السر. وأكّد أنّ ما يُحكى عن سعي المملكة لترحيل اللبنانيين لا أساس له من الصحة. كما أمّت السفارة السعودية أيضاً وفود نيابية وشعبية أعربت عن استنكارها الشديد لتصريحات وزير الخارجية.

وتقول مصادر سياسية عليمة بكلّ ما جرى بأنّ طلب إعفاء الوزير وهبه من مهامه والذي جرى التوافق عليه مع الرئيس عون أتى لعدم إدخال لبنان في أزمة ديبلوماسية مع السعودية التي قام عون بالزيارة الأولى لها خلال بداية عهده، ودول الخليج كونها من بين الدول المانحة والداعمة للبنان. فالوقت اليوم ليس لتوتير العلاقات مع الدول العربية الشقيقة والصديقة إنّما لتعزيزها وتمتينها. ولهذا جرى الطلب من نائبة رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الدفاع الوطني زينة عكر تولّي منصب وزارة الخارجية خلفاً لوهبه، بعد أن جرى التداول باسمها وباسم وزيرة المهجّرين غادة شريم، كون وزير البيئة دميانوس قطّار الذي أنيطت به وزارة الخارجية بالوكالة خلال تشكيل الحكومة، معتكف اليوم ولا يقوم بأداء مهامه في وزارته، ولا يُمكن بالتالي تكليفه بمهام الخارجية.

وأوضحت المصادر أنّه بعد اعتراضات من عكر بسبب عدم تمكّنها من القيام بمهام وزارتين ومهام نائبة رئيس الحكومة في وقت واحد، جرى إقناعها من قبل عون ودياب، فوافقت على تولّي هذا المنصب بالوكالة. وكان يجري العمل على إيجاد صيغة قانونية لتكليف عكر الى أنّ أوجدها المعنيون وقد وقّع عون ودياب بعد ظهر أمس الأربعاء على المرسوم رقم 7770 المتعلّق بتعديل في المرسوم 6172 تاريخ 5/3/2020 القاضي بـ «تعيين وزراء بالوكالة عند غياب الوزراء الأصليين». ونصّ على تعيين زينة عكر وزيراً للخارجية والمغتربين بالوكالة بدلاً من وزير للداخلية والبلديات بالوكالة، ودميانوس قطّار وزيراً للداخلية والبلديات بالوكالة بدلاً من وزير للخارجية بالوكالة. وهذا يعني بأنّه جرى استبدال مهام عكر ودميانوس بالوكالة كمخرج لتعيين وزيرة الدفاع في الخارجية بالوكالة.​

وبحسب رأي المصادر عينها، فإنّ كلام وهبه لم يكن يستأهل أن يتنحّى أو أن يطلب إعفاءه من مهامه كونه لم يسء لدول الخليج وللسعودية بقدر ما أساءت هذه الأخيرة للبنان عندما قامت باحتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في 4 تشرين الثاني من العام 2017 وأرغمته على تقديم الإستقالة من الرياض. ورغم ذلك لم تصل العلاقات اللبنانية - السعودية الى حدّ الأزمة الديبلوماسية أو قطع العلاقات فيما بينها. غير أنّ عون ودياب وجدا في طلب الإعفاء حفظاً لماء الوجه مع الدول الخليجية، ولا سيما السعودية بعد توتّر العلاقات الإقتصادية بينها وبين لبنان أخيراً على خلفية شحنة الرمّان التي جرى تهريب فيها حبوب المخدّرات، علماً بأنّها أتت من سوريا الى لبنان ومن ثمّ ذهبت الى السعودية.

غير أنّ قرار تنحّي وهبه لم ينل إعجاب «بيت الوسط»، و»تيّار المستقبل» و»القوّات اللبنانية» و»الإشتراكي»، على ما يبدو، الذين ظهروا «ملكيين أكثر من المملكة». فقد تحدّثت المعلومات عن أنّ المعترضين على خطوة وهبه وتعيين بديل له (الوزيرة عكر) كمخرج لمنع تصعيد التوتّرات بين لبنان والسعودية ودول الخليج، يجدون أنّها «غير قانونية». فبرأيهم، أنّه ليس هناك في الدستور ما يُسمّى «إعفاء» وزير من مهامه، بل «إقالة» أو «إستقالة» في ظلّ حكومة كاملة الصلاحيات. وكوننا اليوم في حكومة مستقيلة، لا يُمكن للوزير أن يستقيل ما دام مستقيلاً، لهذا يجب «إقالته» واستبداله بشخص آخر، من وجهة نظرهم. ولهذا انتقدت أوساط «المستقبل» عبارة «إعفاء» الوزير وهبه من مهامه، وطالبته قبل تركه لمنصبه، كون الوزير البديل عنه، بحسب الدستور، أي الوزير قطّار معتكف، أن يُصدر قراراً بتكليف الأمين العام لوزارة الخارجية هاني الشميطلّي بمهام الخارجية، أي تفويض كامل صلاحياته له فيما عدا الصلاحيات الدستورية، عملاً بالمرسوم 111 الصادر عام 1959 والمتعلّق بتنظيم الإدارة العامة، وذلك على غرار ما قام به وزير البئية بتفويض صلاحياته لمدير عام وزارته. واعترضت بالتالي على مرسوم تسمية الوزير البديل عن وهبه الذي وقّع عليه كلاً من عون ودياب رغم أنّ الحكومة مستقيلة ولا تعقد أي جلسات وزارية لعرض أي مسألة عليها، بل يتمّ إصدار مراسيم جوّالة. في الوقت الذي امتنع فيه المسؤولون أنفسهم عن التوقيع على تعديل المرسوم 6433 المتعلّق بالإحداثيات الجديدة للحدود البحرية الجنوبية للبنان والذي من شأنه تقوية موقف الوفد اللبناني خلال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود مع الجانب الإسرائيلي.

وبحسب رأي المصادر السياسية نفسها فإنّه سيتمّ لملمة الموضوع من قبل السعودية ودول الخليج، وإن كانت قد رفعت شكاوى رسمية بحقّ وهبه أدّت الى قرار «تنحّيه»، خصوصاً وأنّ المحادثات بين الرياض وطهران قد بدأت، وهي لا تزال في مرحلة الإستكشاف.. لهذا فإنّ السعودية لن تترك أي «أمر عَرَضي» يُعكّر مسار هذه المحادثات كونها تعوّل عليها كثيراً في المرحلة المقبلة لتحقيق التعاون والمصالحة فيما بين إيران والدول العربية. وبالطبع فإنّ تحسّن العلاقات بين السعودية ودول الخليج وإيران، سينعكس إيجاباً على الوضع في لبنان، وسيتوقّف حلفاء الداخل عن اعتماد الخطاب التحريضي.

وبناء عليه، يُمكن القول بأنّ قضية «إساءات وهبه» انتهت هنا، مع إعفائه من مهامه كوزير للخارجية، وهذا الأمر أرضى السعودية والدول الخليجية، سيما وأنّه اقصى إجراء ممكن أن يُتخذ بحقّ وزير أدلى بموقفه الشخصي وليس بموقف بلاده أو رئيس البلاد، وإن كان على رأس الديبلوماسية اللبنانية.