لا انتخابات بلدية ونيابية ورئاسية.. و «الله يستر»

هل تعبئ القوى السياسية الطائفية وقوى الأمر الواقع غياب الدولة؟ وهل ستحل سلطة الزعامات السياسية المذهبية مكان سلطات الدولة ولعب ادوارها انمائيا ومعيشيا وكل زعيم في منطقته وطائفته لتعبئة غيابها وتأمين متطلبات حاشيته، بانتظار تحقيق التسوية المستحيلة في لبنان؟ وهل نشهد المرحلة المقبلة تعزيزا لسلطات الأمر الواقع مع شغف لممارسة هذه الأدوار من الزعامات والطبقة الحاكمة قبل الانتخابات النيابية والبلدية والرئاسية لفرض موازين قوى جديدة في البلد يتم استثمار ها في حال أنجزت التسوية الكبرى؟

وبالتالي، فإن قوى الأمر الواقع وفي كل المناطق تعبئ حاليا غياب الدولة وشللها، حيث ستتعزز سلطات الأمن الذاتي في كل المناطق على حساب الدولة مع استحالة حل الملف الحكومي، وقد استطاعت هذه القوى تعبئة فراغ الدولة والحلول مكانها حاليا في كل المناطق، وباتت الصورة تشبه المرحلة التي سبقت العام ٧٥، حيث تحكمت لجان الاحزاب شؤون القرى ووزعت المساعدات على هواها، وحلت مكان الدولة الذي بات وجودها صوريا كما هو الآن، وهذه المعادلة تعاود نفسها اليوم، والفارق الوحيد عن ال٧٥ ان هناك إجماعا على الجيش لحفظ الأمن مع صلاحيات واسعة للأحزاب في إدارة كل حزب لشؤون منطقته وطائفته. وبالتالي فإن البلاد قادمة على امن ذاتي مناطقي، وتعزيز الفرز الطائفي، وكل طائفة عليها تدبير شؤونها بعناوين إنمائية، كون الدولة الحلقة الاضغف وفي اسوأ صورة لها منذ ولادة الطائف.

وحسب مصادر متابعة، فإن سلطات الأمر الواقع وكل زعما ء المناطق يدرسون جديا عبر مساعديهم وضع خطط لكيفية تأمين الدواء والغذاء والمحروقات إلى مناطقهم وطوائفهم في حال عجزت الدولة عن تلبية متطلبات هذه الكانتونات الطائفية اذا تم رفع الدعم او التقليص منه وعندها سيسود منطق «كل مين ايدو الو» مع فوضى منظمة إلى حد ما وعودة نفوذ السلطات المحلية والإدارات الذاتية إلى زعامات الاحزاب. واللافت أن هناك رغبة من الاقطاب للعب هذه الأدوار عبر السعي للحصول على مساعدات دولية مباشرة خارج مؤسسات الدولة، وكذلك حض المغتربين ورجال الأعمال والاثرياء على دعم إخوانهم في الدين، وهذا ما يعزز المنطق الطائفي والعودة إلى مرحلة ما بين عامي ٨٥ و٩١ وما سادها من جنون وفلتان اسست لولادة الطائف.

وحسب المصادر المتابعة، الدولة هي الخاسر الأكبر من الواقع الحالي جراء اهتزاز هيبتها وصورتها في كل المناطق وتبلور سلطات رديفة من الاحزاب تدير مؤسسات الدولة وتحركها وتشرف عليها، وهذا ما يعزز منطق اللادولة اذا استمر تفاقم الأزمة الاقتصادية، وهذه المرحلة ستطول حتما في ظل غياب اي اهتمام دولي وعربي في لبنان مع بداية تبلور قناعة بتلزيم الحل في البلد لقوة خارجية لا توافق عليها حتى الآن، وعدم حماس اي دولة قريبة وبعيدة للغرق في المستنقع اللبناني مجددا، والذين يتكلمون عن إعادة تلزيم البلد لسوريا هم مخطئون جدا، فسوريا خرجت ولن تعود، وتعلمت الكثير من الدروس في لبنان، وتملك الآن حليفا استراتيجيا هو حزب الله حصن خاصرتها اللبنانية من البقاع والجنوب، وبوجود حزب الله وضمانته ستكون سورية مرتاحة وهذا أقصى ما تريده.

كما ان دخول سوريا إلى لبنان، تضيف المصادر، تمّ بتسوية سعودية –أميركية – عربية - سورية بغطاء دولي كانت فرنسا فقط خارجها، وهذه التسوية من رابع المستحيلات إعادة إنتاجها حاليا.

ورغم ان مصادر محلية تؤكد ان لبنان قد يشهد مرحلة هدوء وتبدلات في المشهد الحالي اذا وقع الاتفاق النووي الايراني - الأميركي وسادت الاجواء الايجابية العلاقات السعودية - الإيرانية - السورية وتعزز الاستقرار السوري وفتحت حرب غزة وانتصارات المقاومة مسارا جديدا في المنطقة، لكن هذه التحولات لن تتبلور قبل سنوات كي تبصر النور وتترك تداعياتها الايجابية داخليا، رغم ان هناك اجواء داخلية مغاير ة تؤكد ان الملف اللبناني سيكون على طاولة البحث الجدي مع استحقاقات ٢٠٢٢ البلدية والنيابية والرئاسية، دون اغفال تقدم الحل اذا كانت اجواء المنطقة مستقرة، والا فان التمديد بلديا ونيابيا سيكون حتميا مع فراغ رئاسي بانتظار التسوية الكبرى، وهذا الاحتمال متقدم لان التسوية الكبرى بحاجة الى مزيد من الوقت مع الدعاء بأن تأتي «على البارد» وليس «الساخن» وعندها سيدفع لبنان الثمن الأكبر.

وتجمع مختلف المصادر، انه في ظل التباينات الدولية وتحديدا الأميركية والفرنسية حول لبنان، والخلافات العربية وعجز القوى الداخلية، فإن الأزمة طويلة وكل الأحاديث الداخلية «خارج الصحن»، والولادة مستحيلة نتيجة الثقة المفقودة بين عون وباسيل من جهة، وبري والحريري وفرنجية من جهة أخرى، فيما جنبلاط مع التسوية التي تتطلب تنازلات من الجميع رغم ميله الى بري، اما جعجع حساباته رئاسية، وفي ظل هذه الاجواء، لاحلول ولا مبادرات، بل كمائن متنقلة على حساب لقمة عيش اللبنانيين وعمليات «كب أوراق» لاستثمارها داخليا وطائفيا، حيث الوضع اللبناني في أسوأ مراحله، وكل «ديك على مزبلته صياح»، والدولة هي الخاسر الأكبر مما يجري وربما لم تعد الملاذ للبعض بعد أن «حلبوهاونشفوها» وباتت عبئا عليهم، ولابد من التفتيش عن بدائل في لحظة دولية ربما تكون مناسبة لدغدغة احلام قديمة جديدة.