«العرب لا يفوّتون فرصة لتفويت الفرصة...»!

انه ابا ايبان، وزير الخارجية «الاسرائيلي» الأسبق، وقد قال فيه هنري كيسنجر «انه يستحق أن يكون ميترنيخ القرن». المثير أن كيسنجر اياه الذي وضع أطروحة الدكتوراه حول نجم مؤتمر فيينا (1815) رفض أن يوصف بـ «ميترنيخ القرن العشرين». قال... «بل ميترنيخ كيسنجر القرن التاسع عشر»!

ايبان الذي كان ضد اليمين التوراتي بكل أشكاله، كان يتقن عشر لغات وقد ترجم الى العبرية رواية توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف»، اعتبر في حديث لأندريه فونتين، حين كان مديراً لصحيفة «لوموند» الفرنسية «أننا لم نأت الى هنا لنعيش بين الحراب». في رأيه أن السلام لا الأرض هو الذي يحقق الأمن الاستراتيجي لـ «اسرائيل».

غداة حرب 1967، قال «نحن نعلم ماذا يعني أن يمشي الآخرون فوق جثثنا. وأنا، شخصياً، أرفض أن نمشي فوق جثث الآخرين. نحن والعرب حملنا في ذاكرتنا آلاما كثيرة، ولقد آن الأوان لنغسل بأيدينا هذه الألام».

ماذا يفعل «الاسرائيليون»، ومنذ أكثر من سبعة عقود، سوى أنهم يمشون فوق جثثنا؟ ذاك الغرب البشع الذي لا يرى رؤوس الأطفال وهي محطمة. العيون وحدها لم تتحطم. لكأنها الصرخة في وجه القادة العرب. هذا زمن العيون المقفلة والآذان المقفلة...

جنرال أردني متقاعد، ويوصف بالخبير الاستراتيجي، توقع أن تفضي التفاعلات العسكرية الراهنة الى اندلاع حرب اقليمية عبر الجبهة اللبنانية، والجبهة السورية. لم يقل لنا ما هي حال الجبهة المصرية، والجبهة الأردنية. لماذا لبنان الذي أمام أزمات بنيوية قاتلة؟ ولماذا سوريا وهي تحاول أن تعالج جراحها بأصابعها الجريحة؟

كلبناني، اقول لقد مشى «الاسرائيليون» كثيراً على جثثنا. في بنت جبيل، وفي وادي الحجير، نحن الذين مشينا فوق جثثهم. الأولوية للصواريخ التي بأيدينا لحماية أرضنا، ولحماية أهلنا، مع اقتناعنا بأن قضية فلسطين كانت، وتبقى، قضيتنا.

لماذا لا تنفجر الجبهة الأردنية رغماً عن اتفاق وادي عربة؟ الضفة الشرقية جزء من فلسطين. أكثرية سكانها من الفلسطينيين، كما أن الضفة الغربية كانت جزءًا من المملكة قبل احتلالها في حرب 1967.

صواريخنا لم تؤد فقط الى تكريس معادلة توازن الرعب مع «اسرائيل»، وقد ثابرت على انتهاك أراضينا، وأجوائنا، منذ قيامها. ها هي تشكل الهاجس الوجودي للقيادة، كما للقاعدة، هناك.

لماذا الجبهة اللبنانية، ولبنان في القاع سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، وحتى طائفياً، في حين أن الأشقاء يدخنون الأراكيل على أرصفة بيفرلي هيلز أو في مقاهي الكوت دازور؟

لا أحد باستطاعته تحرير فلسطين، كل فلسطين، سوى الفلسطينيين. دون أن يكون مطلوباً من الأنظمة العربية أن تخرج آلاف الطائرات، وألاف الدبابات، وآلاف الصواريخ, من غرف النوم.

كل ما هو مطلوب من العرب أن يؤازروا الفلسطينيين، فلسطينيي الأرض لا بالأبواق، ولا بالمؤتمرات، وانما بالمال والسلاح، ولكن دون تكرار تجربة الفصائل المتخمة أو الفصائل الفوضوية. ولقد عشنا، في لبنان، التجربة حتى الثمالة، وندرك مدى البعد المكيافيللي في فريق ياسر عرفات.

كانت فضيحة (وفجيعة) لا تنسى. دولة فوق الدولة. وحين حدث اجتياح 1982، رأينا بأم العين كيف فرّ أبو الزعيم، وأبوالهول، وأبو الجماجم من مخيم عين الحلوة باتجاه البقاع، تاركين أهل المخيم يواجهون آرييل شارون بالأيدي العارية.

هناك الآن نحو 5 ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، وكذلك داخل الخط الأخضر. هؤلاء هم الرهان، وهؤلاء هم الزلزال الذي يقض مضاجع «الاسرائيليين» الذين طالما طرحوا اقامة دولة فلسطينية حيناً في العراق، وحيناُ في سوريا، وصولاً الى ليبيا التي تم التداول باسمها في عهد تيودور هرتزل كمكان محتمل لـ «الوطن القومي اليهودي».

هل يتجرأ العرب ويمدون يد العون لأهل الأرض كي يستعيدوا أرضهم؟ لا نتصور. العرب ما زالوا في فراش شهرزاد، حتى أننا لا نتوقع أن يتمكن الله من ايقاظهم يوم القيامة!!