تتحدث أوساط سياسية واسعة الإطلاع عن مؤشّرات عدة سيتحدّد بموجبها المشهد السياسي الداخلي، وهي بمجملها سلبية حتى الساعة، ولكنها تستدرك بأن خروج أوراق اللاعبين الأساسيين إلى العلن في هذا المشهد، من شأنه أن يسرّع الحل بعدما اقتنع هؤلاء بأن الحوار والتواصل هما المعبر الإلزامي لأي تطوّر محتمل على صعيد تأليف الحكومة، مع العلم، أن كلاً من مداخلتي الرئيس المكلّف سعد الحريري ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، قد حملتا جملة من العناصر التي يمكن اعتمادها من أجل تأمين الإنتقال إلى مرحلة التخلّي عن الخطاب التصعيدي، وبدء البحث والنقاش في كيفية تدوير الزوايا، بعدما بات جلياً لكل القوى السياسية الداخلية أن الخارج منشغل عن لبنان، وأن الأزمة اللبنانية باتت في عهدة المسؤولين، فإما أن يباشروا البحث في إقامة حوار جدّي هادف لا يتعلّق فقط بالأزمة الحكومية، بل يتخطاها إلى تحديد مسار الإستحقاقات الدستورية القريبة والبعيدة بدءاً من التعيينات المجمّدة والمعالجات الضرورية في العديد من القطاعات الحيوية، وصولاً إلى حسم مسألتي قانون «الكابيتال كونترول» والبطاقة التموينية.

ومن هنا، فإن الإحتمالات المرتقبة بعدما «فشّ خلقه» كل من الرئيس المكلّف ورئيس التيار الوطني الحر، ولم يترك أي منهما أوراقاً مخفية، أو مشاعر مكبوتة، فإن الخيارات قد أصبحت قليلة، وفق الأوساط المطلعة، وهي تُختَصَر باللجوء إلى التسوية والمصالحة، أو بالإفتراق والخصام، وحتى العداوة، مع ما يعنيه ذلك من تدهور في العلاقات السياسية بين أكثر من فريق، وليس فقط بين «المستقبل» والتيار الوطني الحر».

ولذلك، ومن أجل تلافي الوصول إلى هذا الواقع غير المريح، سُجلت في الكواليس عملية إقناع للطرفين بالمبادرة إلى فتح صفحة جديدة، وطي صفحة الصراعات التي باتت أكبر من أن يتم استيعابها، خصوصاً وأن مفاعيلها تنعكس بشكل كارثي على المعادلة السياسية في البلاد، من دون إغفال المعادلة الإجتماعية، كما المعادلة الأمنية التي تعرّضت للإهتزاز، في ضوء طموحات البعض لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، حيث تكشف الأوساط نفسها، أن إشارة الحريري إلى أنه سيعاود التحرّك، وفي المقابل تأكيد رئيس «التيار» بأن رئيس الجمهورية لا يسعى إلى سحب التكليف من الحريري، سيؤدي إلى خلط الأوراق الحكومية من جديد، ولكن ذلك لا يعني الإقتراب إلى موعد الحلّ، لأن ما من تسويات من دون تنازلات مشتركة، وذلك بغض النظر عن كل الحجج التي قُدّمت من الجانبين، والتي تبدو كلها، وعلى الأقلّ من حيث الظاهر، قانونية ودستورية، وليست طائفية فقط.

وهنا، ترفض الأوساط نفسها، كل ما يقال عن أن الكلمات التي ألقيت في جلسة مناقشة رسالة رئيس الجمهورية، قد أقفلت الأبواب أمام أي حلّ توافقي، إذ أن التوافق على أولوية تأليف الحكومة، هو بحدّ ذاته، اتفاق على هدف واحد، مع العلم أن زمام المبادرة اليوم، هو لدى قصر بعبدا بالتوازي وبالتعادل مع الرئيس المكلّف، الذي تحدّث عن التأليف السريع للحكومة، وإن تمسّك بالصيغة القديمة التي قدّمها منذ أشهر، فيما أكدت الأوساط أن أي تحرّك باتجاه رئيس الجمهورية من قبل الحريري، لن يتم قبل صدور إشارات بالتعاون، وبالتالي، اقتران النية التي أعلنها باسيل، كما رئيس الجمهورية بالفعل، بوقف الحملات على «تيار المستقبل» ورئيس الحكومة المكلّف، وهو ما يبدو مستبعداً في ضوء الصمت اللافت لفريق رئيس الجمهورية بعد جلسة السبت الفائت.