لكأن القبيلة الرحبانية، حين قدمت مسرحية «ناطورة المفاتيح»، كانت تحثنا على الرحيل لكي يبقى رجل وحيد في قصر بعبدا، ولا يجد حوله حتى المستشارين، بالطرابيش العثمانية، وبالرؤوس العثمانية، ولكي يبقى رجل وحيد في بيت الوسط، ولا يجد حوله حتى الرعاع من قطّاع الطرق، وحتى المرتزقة الذين يلعقون الأطباق، والأحذية، الفارغة...

الذين يتراشقون، عشية سقوط الجمهورية، بالنصوص الدستورية لكأنها أحجيات السحرة، غافلون عن التصور الأميركي لاقامة الدولة الفلسطينية، وحيث توطين اللاجئين في لبنان، بتواطؤ مع دول عربية، ومع جهات داخلية تراهن بغباء تاريخي على اقامة كانتونها الخاص، كما لو أننا، بكل طوائفنا، لا نرقص على حد السكين!

استطراداً، توطين النازحين السوريين كما كانت تقتضي «صفقة القرن» لاحداث تغيير دراماتيكي في البنية الديموغرافية، والطائفية، للجمهورية . هذا أحد الشروط «الاسرائيلية» لحصار حزب الله، واشغاله في فوضى داخلية لا تبقي ولا تذر.

قد نكون الوحيدين المؤهلين لنكون الضحية الذهبية لأي تسوية . هذا لمن فاته ما حدث في كواليس قمة بيروت عام 2002، وحين كان قادة العرب  قد اتفقوا مع ياسر عرفات على عدم تضمين «المبادرة الديبلوماسية العربية» أي نص يتعلق بعودة فلسطينيي الدياسبورا الى ديارهم.

توماس فريدمان، الصحافي الأميركي، هو من صاغ السيناريو، بالتنسيق مع «القيادة الاسرائيلية»، والعديد من الأنظمة العربية، حتى اذا ما أصرّ الرئيسان اميل لحود وبشار الأسد على لحظ بند العودة، تهاوت المبادرة وتحولت الى نص ميت، بعدما كان كولن باول قد تعهّد بأن يحمل، شخصياً، المبادرة الى نيويورك لوضع آلية (أو آليات) التنفيذ...

اذاً، ناطور للمفاتيح في قصر بعبدا، وناطور للمفاتيح في بيت الوسط لكي لا يبقى لبناني على أرضه . مؤشرات كثيرة على أننا في طريقنا الى ما هو أكثر فظاعة . ما علينا سوى الهجرة من جهنم الى أي جهنم أخرى.

نعلم أن الرئيس سعد الحريري الذي لم يعد يحظى حتى بتغطية الاليزيه لا يملك أكثر من ورقة التكليف ليبقى طافياً على سطح الأرض، لكننا لا نعلم ما الذي يحول دون الرئيس ميشال عون والعودة الى الرابية، أو الى الضاحية الباريسية، ما دام قد فقد كل شيء، وحتى أبواق السيارات في نفق نهر الكلب، الا اذا كانت السيدة ناديا على شاكلة تيودورا، زوجة الأمبراطور البيزنطي يوتسيانوس، التي قالت «رداء الأرجوان أحلى الأكفان»حين لاحظت أن هذا الأخير يحاول الفرار من الثوار. لسنا، كقصاصات قبلية، وحدنا الغرقى . المنظومة السياسية، بقضها وبقضيضها، مثلنا، وان كان هناك بين أركان هذه المنظومة من يراهن على أن تدخل البلاد في دوامة الدم، في رهان سيزيفي، أو دونكيشوتي، على بانتوستان مسيحي أقرب ما يكون الى الزنزانة ان لم يكن أقرب ما يكون الى ... المقبرة!

الى حد ما كنا متفائلين بمناخات التسوية، على أن تمتد من فيينا الى اليمن، وسوريا، فلبنان بطبيعة الحال . لكن ما يتناهى الينا من مصادر ديبلوماسية، أن «الاسرائيليين» عاودوا اتصالاتهم، وعبر جماعات لبنانية في أوروبا وأميركا، مع أطراف داخلية، وبوعود براقةيجعلنا ننتظر القوارب لتقلنا الى أرصفة الدنيا.

في هذه الحال، ما هو دور ناطور المفاتيح الذي هناك، وناطور المفاتيح الذي هنالك ؟ لن نقول ان الاثنين الى متحف الشمع . الاثنان الى نهاية أغريقية . غريب أنهما لا يدركان، وكل يلقي القفاز في وجه الآخر، أن ثمة من خطط لاغراقهما معاً، وهما يغرقان فعلاً، وتغرق معهما مفاتيح بيوتنا، دون أن تظهر أمامنا سوى الخشبة التي في آخر الجلجلة، لا خشبة الخلاص.

لماذا الهجرة لا الثورة ؟ أي ثورة داخل هذه الفديرالية الهجينة ؟ من يقودون الشارع الآن ليسوا أصحاب الصرخات العارية، بل أصحاب الأقنعة الصفراء (لا السترات الصفراء) . هؤلاء اما أنهم سقطوا من سروال يوضاس، أو أنهم سقطوا من سروال شهريار.

زواج كاريكاتوري بين أطباق الكافيار وأطباق الفلافل...