لماذا التفاؤل اليوم... وما هي العوامل الداخلية والخارجية؟

ثمة فرصة جدية الآن لتأليف الحكومة، لكن الحركة الناشطة التي بدأها الرئيس نبيه بري لم تكتمل بانتظار عودة الرئيس الحريري الى بيروت لحسم الموقف من الاقتراحات المطروحة حول عقدتي وزارة الداخلية وتسمية الوزيرين المسيحيين المحسوبين من حصة الحريري .

ووفقا للمعلومات المتوافرة فان رئيس الحكومة المكلف لا يمانع في تقديم تشكيلة حكومية جديدة من ٢٤ وزيرا، لكنه يربط ذلك او يركز على وجوب حسم العقبات العالقة على قاعدة عدم منح اي شكل من اشكال الثلث المعطل للرئيس عون وفريقه السياسي.

اما رئيس الجمهورية فتؤكد اوساطه، ان التطورات والوقائع الاخيرة اكدت ان اتهام الرئيس عون بانه يريد الثلث المعطل هو اتهام باطل، وهذا ما جعل بعض الذين كانوا يعتقدون انه يعقّد عملية التشكيل ويثقلها بشروطه يعدلون موقفهم ويتفهمونه اكثر من السابق.

ورغم رغبته الدائمة بترجيح التفاؤل على التشاؤم في كل مسعى يقوم به هو او غيره، يبدي بري حذرا واضحا في جولته الجديدة بسبب التجارب السابقة وما خلّفته من مرارة وخيبة، ويتمسك في كل محاولة بالمثل اللبناني الشهير «ما تقول فول تيصير بالمكيول».

ووفقا للمعلومات، فان رئيس المجلس بادر الى اجراء اتصالاته التمهيدية بعد جلسة مجلس النواب الاخيرة، في اطار تجديد مسعاه من اجل الخروج من الازمة الحكومية، وكثف الاتصالات واللقاءات بعد خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي عبر بوضوح عن اهمية الاستعانة بصديق على طريقة برنامج الزميل جورج قرداحي « من يربح المليون»، مؤكدا ان هذا الصديق وهذا الدور لا يلعبه الا الرئيس بري ، ومبديا استعداد الحزب لتقديم الدعم والمساعدة له في مهمته.

وتضيف المعلومات ان بري يجري اتصالات ولقاءات بعيدة عن الاعلام منذ ايام، وانه تواصل مع الرئيسين عون والحريري من اجل التمهيد لطرح بعض الافكار والمقترحات التي يمكن ان تذلل العقد امام تاليف الحكومة، ويستعين ايضا بمعاونه السياسي النائب علي حسن خليل الذي يجري بدوره لقاءات واتصالات مع بعض الاطراف لا سيما حزب الله والمردة، كما زار الاربعاء الماضي رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وبحث معه في بعض الافكار المطروحة لمعالجة العقبات الباقية امام التشكيل.

والى جانب ذلك يقوم حزب الله باتصالات وجهود مساعدة، لا سيما مع بعبدا وباسيل لتعزيز وتسريع وتيرة جولة بري الحالية من اجل التوصل الى نتائج ايجابية في غصون ايام او على الاكثر خلال اسبوعين كما حدد رئيس المجلس.

وحتى الآن، لا يمكن التكهن بالنتائج لهذا المسعى الجديد على الرغم من الاجواء التفاؤلية النسبية التي ترافقه، وذهاب البعض الى القول انها ستتبلور في غضون الايام القليلة المقبلة.

وحسب المعطيات الراهنة فان هناك اسبابا عديدة تبعث على هذا التفاؤل منها :

- على الصعيد الخارجي : يتأكد اكثر فاكثر ان ليس هناك عقبات خارجية مهمة، وان الازمة الحكومية هي ازمة داخلية بنسبة عالية. وان العقبات التي حالت وتحول دون ولادة الحكومة حتى الآن هي داخلية مئة بالمئة كما عبّر الرئيس بري في خطاب عيد المقاومة والتحرير.

ويشار في هذا المجال الى الموقف الاميركي الذي يقول عنه مرجع بارز بانه في ظل ادارة الرئيس بايدن بات ميالا اكثر الى تأييد تسريع تشكيل الحكومة على عكس ادارة ترامب التي ساهمت في تأجيج الازمة الحكومية عندما قررت فرض عقوبات على بعض الاطراف والشخصيات اللبنانية.

ويعكس هذا التوجه موفد وزير الخارجية الى لبنان السفير دايفيد هيل في كلامه الاخير وقوله « ان انقاذ لبنان هو في ايدي اللبنانيين وحدهم، ولن تاتي اي دولة لتنتشل لبنان من ازمته المالية والاقتصادية، بل ان دول العالم مستعدة ان تساعده على انقاذ نفسه».

اما الموقف السعودي، فيبدو اليوم بعد رحيل ادارة ترامب اقل حدة وتشددا، خصوصا عشيّة الخطوة المتوقعة على صعيد تحسين العلاقة مع سوريا. لكن السؤال الذي لم يتوافر له الجواب بعد هو السؤال المتعلق بمصير ازمة العلاقة بين الحريري والقيادة السعودية.

لكن اكثر من قيادي ومرجع سياسي يرى ان هذه الازمة يجب ان لا تشكل مشكلة في وجه تشكيل الحكومة، وان على الحريري ان يتجاوز هذه المسألة.

ولا بد ايضا من الاشارة الى ان باريس، التي اطلقت مبادرتها للمساعدة في تأليف الحكومة منذ آب الماضي، اعطت المسؤولين اللبنانيين بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي الاخيرة لبيروت مهلة لحسم امرهم قبل اللجوء الى خطوات ضاغطة منها معاقبة المعطلين والمساهمين بالازمة، وهذا الموقف، رغم انه لا يبدو انه فعالا بقوة، الا انه يعكس عزم فرنسا على التمسك بمبادرتها وبذل كل الضغوط الممكنة لحث المسؤولين اللبنانيين على حسم الاستحقاق الحكومي.

- على الصعيد الداخلي: استطاع بري تحويل جلسة مناقشة رسالة رئيس الجمهورية حول الحكومة من قنبلة قابلة للانفجار الى محطة للعبور الى جولة جديدة من السعي الجاد الى الخروج من الازمة، وتصدى مجددا لهذه المهمة، التي تنظر اليها الاوساط المراقبة، على انها تختلف عن سابقاتها نظرا للوضع الخطير الذي وصلت اليه البلاد، والذي يفترض ان يشكل عاملا ضاغطا على كل الافرقاء، ونظرا ايضا للأجواء المشجعة التي واكبتها اكان على صعيد التفويض الفرنسي والمصري ام على صعيد التحوّل في المواقف الداخلية الذي قد يؤدي الى ما يرمي اليه رئيس المجلس.

وفي ظل هذه المؤشرات الايجابية يبقى الرهان على موقف طرفي النزاع الحكومي عون والحريري، فما هي ظروف واجواء الرئيسين ؟ يقول مصدرر نيابي بارز ان رسالة رئيس الجمهورية الى المجلس اكدت ان لا مناص من تعاون وتجاوب الرجلين مع الجهود المبذولة لتأليف الحكومة، وان رئيس الجمهورية لا يستطيع تجاوز الغطاء السياسي والنيابي للحريري، كما ان رئيس الحكومة المكلف غير قادر على الامساك بورقة التكليف وتحويلها الى ورقة ضاغطة لصالحه اذا ما استمرت الازمة.

وبرأي المصدر ان الجلسة أكدت المعادلة التالية: ان الرئيس عون غير قادر على فرض «فيتو» على الحريري واستبداله بمرشح آخر، وان الرئيس المكلف لا يستطيع ان يتجاهل او يقلل من دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة.

ومما لاشك فيه، ان التطورات الخطيرة التي سجلت وتسجل في سياق الانهيار الذي دخلت فيه البلاد، باتت تشكل عاملا ضاغطا وقويا على بعبدا وبيت الوسط ، وهذا يمكن ان يكون لصالح تعزيز فرص المسعى الحالي الذي يقوده بري.

ويضيف المصدر النيابي انه في المقابل، فان الحريري ليس بأفضل حال من عون، خصوصا ان التأييد الذي حظي به مجددا في الجلسة لا يعني تفويضا سياسيا كاملا، خصوصا اذا ما طالت الازمة الحكومية اكثر، ويلفت الى ان بكركي، التي كانت تميل اكثر لتفهم الحريري، بادرت بعد الجلسة الى تعديل موقفها واخذت تدعوه صراحة الى حسم امره وتقديم تشكيلة الـ٢٤ وزيرا ، بل لم تتردد على لسان سيّدها في التلميح الى الاعتذار عندما نوّه البطريرك الراعي صراحة بموقف الرئيس المكلف السابق السفير مصطفى اديب واعتذاره بعد شهر من تكليفه.

وباعتقاد المصدر ان باريس التي كانت وراء ترشيح الحريري ودعمه في مهمته، لم تخفِ مؤخرا خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي انزعاجها من تقصيره في بذل الجهود اللازمة لتجاوز الازمة مع الرئيس عون وتأليف الحكومة، كما انها وعلى الرغم من استيائها من اداء وموقف النائب باسيل ابدت مؤخرا نوعا من التفهّم لموقف رئيس الجمهورية الذي ارسل رسالة الى الرئيس ماكرون حول الازمة الحكومية شارحا موقفه حيالها.

ويخلص المصدر النيابي البارز الى القول بأن هذا التطور في اجواء وظروف عون والحريري يمكن توظيفه لصالح المسعى الجديد لبري الذي اخذ يشق الطريق نحو حل الازمة الحكومية، لكن تبقى العبرة، ويبقى الرهان، على تجاوب عون والحريري معه لتكريس الحل الناجز للازمة.