ماذا فعلت وثيقة الطائف سوى أنها أنتجت تلك المنظومة السياسية العجيبة. على مدى العقود الثلاثة المنصرمة لم نكن ضحايا الدولة ـ المغارة. كنا ضحايا الدولة ـ المقبرة. عالقون عند أبواب المقبرة...

بالنصوص الملتبسة، وبالخلفيات الملتبسة، تكرست الفديرالية الطائفية التي تتناقض، جوهرياً، ومنطوق المادة 95 من الدستور، وحيث البوابة الحقيقية للولوج في الجمهورية الثانية بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية.

هنا نسأل الرئيس حسين الحسيني الذي طالما وقف ضد الشعوذة الدستورية، هل انتبهت الى ذلك أم أنك انتبهت وغضيت الطرف لأنك تعلم أن الدولة اللبنانية هي أحجية تاريخية بقدر ما هي أحجية جغرافية، ناهيك عن كونها... أحجية فلسفية.

لا شك أنه يعلم ما قاله المتصرف العثماني واصا باشا «ثلاثة أخطار تهدد لبنان، الطائفية والسياسة والماعز لأنها تأكل الأخضر واليابس. «يا للهول حين تتداخل (بل تتواطأ) الطائفية مع السياسة !!

ماذا تستطيع أن تفعل حكومة برئاسة سعد الحريري، وهو كأي سياسي آخر، رجل الستاتيكو لا رجل التغيير، حين تتشكل هذه الحكومة بالرؤية العرجاء، وبالمحاصصة الطائفية، والقبلية، التي أزالت كل أثر لدولة القانون، أي للدولة التي تليق بالكائنات البشرية لا بالقردة ؟

انطلاقاً من كلام للسياسي الفرنسي أوغسطين مالرو (1900 ـ 1945 ) الدولة شراكة أحلام الدولة عندنا شراكة مصالح، وشراكة أنانيات.

الثابت أننا أمام أزمة دولة (وأزمة نظام)، لا أزمة حكومة، ولا أزمة مساكنة بين رجلين ينتميان الى التركيبة الهجينة اياها. ميشال عون ليس بمواصفات شارل ديغول، ولا بصلاحيات شارل ديغول. سعد الحريري ليس جورج كليمنصو، وليس مهاتير محمد الذي طالما فتن رفيق الحريري. بين الأب والابن مسافة ضوئية...

لا مجال الا لتفكيك الركام، والعبور من الجمهورية الثانية الى الجمهورية الثالثة. هذا لا يمكن أن يحصل لا بالوجوه الكلاسيكية، ولا بالأدوات الكلاسيكية اياها. لكننا لسنا في بلد الثورة المستحيلة فحسب. أيضاً في دولة. .. الانقلاب المستحيل.

ارتجاج، بل تصدع، في البنية الأخلاقية، وفي البنية الايديولوجية، للدولة. لسنا تحت سلطة رأس واحد، أو طربوش واحد، كما في سائر البلدان العربية. هذا لا يعني فقط تعدد الوصايات، بل تناقض الوصايات، والى حدود الانفجار. غالبية دولنا تحت الوصاية الأميركية. الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية، هو المبعوث الالهي الى المنطقة. هل باستطاعة أحد أن يقول لنا لبنان تحت وصاية من ؟

ساذج الكلام عن أن لبنان تحت الوصاية الايرانية، وعبر صواريخ «حزب الله» التي أثبتت، في التجربة الأخيرة للبربرية الاسرائيلية، أنها أكثر من ضرورية ليس فقط للأمن الاستراتيجي  للدولة، أو لما تبقى منها. أيضاً لبقاء الدولة في لبنان. ماكنزي بيننا، ولقد رأينا كيف أن ديفيد شينكر، ومرة أخرى بتكشيرة الحاخامات، يلتقي من يشاء ويهمل من يشاء من عليّة القوم !

بطبيعة الحال، ايران موجودة، وبدور جيوسياسي، ولكن الى جانب أميركا، والى جانب فرنسا، والى جانب تركيا، والى جانب السعودية، وحتى الى جانب اسرائيل. بريطانيا حصرًاً لنهاد المشنوق الذي يراهن على جهاز الـ «اس. آي. اس» للدخول الى الســـراي.

البعض يرى أن الخروج من المأزق في وضع لبنان، ان عبر التدويل أو عبر الحياد، تحت وصاية الأمم المتحدة. ولكن ألم نلاحظ ،  ابان اجتياح  1982 كيف كانت القبعات الزرق تتطاير أمام دبابات آرييل شارون.

شاء من شاء، وأبى من أبى، اذ يتحول لبنان، شيئاً فشيئاً، الى مستودع للبطون الخاوية، ذاهبون الى وصاية صندوق النقد الدولي ما دمنا قد أصبحنا «ع الحديدة».

سقفنا، جماعة العتابا والميجانا، انخفض كثيراً. لم نعد جيران القمر، وقد حاصرتنا أرصفة القمامة، ورحنا نرقص الفالس مع الجرذان. لسنا شعباً  لنرفع قبضاتنا.

طوائف، وقبائل. ما علينا الا أن نطاطئ رؤوسنا. لعل الدخان الأبيض يتصاعد ولو من... جهنم !!