الصلاحيات مُجدّداً على خطّ الخلاف... وعون أعطى أفكاراً للراعي


يسعى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي جاهداً لإعادة الثقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والرئيس المكلّف سعد الحريري.. وقد باتت مهمّته أصعب لا سيما بعد ما جرى التداول به عن «إرسال عون» منذ نحو ثلاثة أسابيع نسختين عن تشكيلتين حكومتين الى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، واعتبار الحريري أنّ عون يقوم بدوره أو «يستولي» على صلاحياته التي أقرّها الدستور. فهل عدنا مجدّداً الى مسألة الخلاف حول الصلاحيات وتفسير المادتين الدستوريتين 53 و64، في الوقت الذي يحتاج فيه البلد الى تشكيل الحكومة سريعاً لتحقيق الإصلاحات المطلوبة وإنقاذ البلاد من أزماته الإقتصادية والإجتماعية والمعيشية والصحيّة وما الى ذلك...

تؤكّد مصادر سياسية متابعة أنّ إعادة الثقة المفقودة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف هي الأساس الذي يعمل عليه برّي حالياً، لأنّه من دون استعادتها سيبقى الخلاف على تسمية وزير أو وزيرين مسيحيين يُشكّل العقدة أمام التشكيل. في حين أنّه مع استعادة هذه الثقة، يعمل عندها كلّ فريق على تقديم كلّ وزرائه للفريق الآخر. فعندما كانت التسوية الرئاسية قائمة بين جميع الأفرقاء كانت الأمور أفضل لا يسودها الخلاف الداخلي.

وأشارت المصادر الى أنّ التشكيلتين الحكومتين اللتين يجري التداول بهما، هما في الحقيقة نسختان عن مسودتين عن كيفية توزيع الحقائب على الأحزاب والطوائف من دون أسماء قدّمها رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، وليس الرئيس عون، منذ نحو ثلاثة أسابيع للبطريرك الراعي الذي طلب الإطلاع على بعض الصيغ التوافقية التي يُمكن أن توصل البلاد الى حلّ ما. ولكنّها أفكار الرئيس عون وهو يقترحها، ومن حقّ الجميع الإطلاع عليها. وشدّدت على أنّ هذا الأمر غير المستجدّ، لا يُعتبر تدخّلاً في صلاحيات الرئيس المكلّف، أو الحلول مكانه في عملية التأليف، ولا يُشكّل بالتالي أي مساس بصلاحيات الحريري، إنّما هو محاولة لتقديم الحلول وتسهيل التشكيل، وعلى الأفرقاء الآخرين دراستها وإعطاء موقفها منها. مع العلم بأنّ الحريري قد رفض الأفكار المقدّمة، وقال كلاماً قاسياً بحقّ رئيس الجمهورية عن أنّه لم يُكلّفه تشكيل الحكومة نيابة عنه، وبالتالي القيام بأداء صلاحيات الرئيس المكلّف.

من هنا، فإنّ برّي يسعى حالياً الى حلّ الخلاف المستجدّ حول الصلاحيات، رغم أنّ المسودتين المذكورتين قد قُدّمتا للبطريرك الراعي قبل انعقاد الجلسة العامّة لمجلس النوّاب في 22 أيّار الجاري. ومن ثمّ سيشرع الى حلحلة العقد التي لا تزال قائمة أمام التشكيل والتي تطال الوزيرين المسيحيين، وأي جهة مسيحية ستسمّيهما في ظلّ إصرار رئيس «التيّار الوطني الحرّ» على عدم المشاركة في الحكومة، وكذلك «القوّات اللبنانية»، واستقالة نوّاب «الكتائب اللبنانية» الثلاثة من مجلس النوّاب. فالرئيس عون من ضمن حكومة من 24 وزيراً (12 وزيراً مسلماً و12 مسيحياً) مقسّمة الى 3 ثمانات، يحصل فيها على 6 وزراء زائد الوزير المحسوب على حليفه رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني طلال إرسلان والوزير الأرمني عن «حزب الطاشناق»، فيصبح المجموع 8 وزراء من حصّته. يبقى 4 وزراء للمسيحيين، وزير لتيّار المردة، ووزير للحزب القومي، فيما الخلاف على الوزيرين المتبقيين، ومن سيسمّيهما. فإذا سمّاهما الرئيس عون ينال «الثلث المعطّل»، وهذا ما يرفضه الحريري.

إذاً ما يُعقّد تأليف الحكومة هو انعدام الثقة بين عون والحريري، وعدم إعطاء الحريري رئيس الجمهورية الثقة المطلقة كونه يخشى من حصوله على «الثلث المعطّل» بمفرده، على ما أوضحت، علماً بأنّ الحريري هو الذي فكّ التسوية السياسية من خلال تقديم استقالته بعد ثورة 17 تشرين، من دون وضع عون في أجواء هذه الاستقالة، ولا أي من القادة المعنيين. في حين أنّ التسوية توافق عليها الجميع، على أن يكون عون رئيساً للجمهورية والحريري رئيساً للحكومة حتى نهاية العهد، ولم تُعقد فقط بين عون والحريري لكي يُقرّر الحريري ترك مسؤولياته من دون استشارة عون أو أي طرف سياسي آخر في السلطة، ثمّ يعود بعد سنة ونصف ليطرح نفسه مجدّداً رئيساً للحكومة ومن ثمّ يعجز عن تشكيل الحكومة منذ أكثر من 7 أشهر حتى الآن..

ورأت بأنّ الحريري لم يُوافق بعد على حكومة الـ 24 وزيراً التي يطرحها الرئيس برّي، ويصرّ في كلّ تصريحاته على حكومة من 18 وزيراً من المستقلّين غير الحزبيين، وفي الوقت نفسه يتوافق مع الأحزاب على تسمية وزرائهم، باستثناء الرئيس عون. ولكن رغم الخلافات التي ينتظر برّي عودة الحريري من الإمارات ليبحث الأمور كافة معه، تشير الأجواء الإقليمية والدولية، والتقارب السعودي- الإيراني الى أنّ الفرصة مؤاتية لتأليف حكومة تضمّ جميع الكتل النيابية أو الأحزاب السياسية التي أعربت عن رغبتها في المشاركة فيها. وأوضحت بأنّه من غير الممكن حالياً تشكيل أي حكومة خلافاً لمواقف الأحزاب كونها هي التي تسيطر على الحكم، ولا يُمكن بالتالي حصول التغيير إلاّ في صناديق الإقتراع. عندها إذا قرّر الشعب عدم إعطاء صوته للطبقة السياسية الحاكمة نفسها، يحصل التغيير ويُصبح بالإمكان الحديث عن وزراء مستقلّين وغير حزبيين. أمّا اليوم، فإنّ هذا الأمر لا يبدو ممكناً، لا سيما من خلال التقسيمات التي تجري على الأحزاب والطوائف تبعاً لما ينصّ عليه «اتفاق الطائف» الذي اصبح دستور البلاد.

ولفتت الى أنّ أي حكومة يجري تأليفها بالضغط على هذا الفريق أو ذاك، من دون مصارحة ومصالحة حقيقية، كان طالب البطريرك الراعي منذ أشهر بضرورة حصولها عبر لقاء يجمع عون والحريري، فإنّ وإن وُلدت، غير أنّها لن تصمد أكثر من شهرين أو ثلاثة. لهذا يريد برّي أن يستعيد كلا من عون والحريري الثقة ببعضهما البعض خصوصاً وأنّه سبق لهما أن وقفا الى جانب بعضهما البعض في ظروف ومواقف عدّة. ولكن لا بدّ من الإستفادة من مبادرة برّي والتحرّك الذي يقوم به قبل وصول البلاد الى الإنهيار الشامل لأنّه عندها لا يعود ينفع تأليف الحكومة بشيء.

فاليوم لا يزال الشعب يقف الى جانب دولته، وإن كان انتفض عليها في 17 تشرين، لإنقاذ البلاد من أزماتها، كما أنّ المجتمع الدولي جاهز لتقديم الدعم للبنان شرط «تشكيل حكومة»، حتى وإن كانت لا تتقيّد بما نصّت عليه المبادرة الفرنسية. وهذا التشكيل من الممكن أن يُساعد على تحقيق الإصلاحات المطلوبة، فيما بقاء البلاد في ظلّ حكومة تصريف الأعمال من شأنه أن يؤدّي الى تشديد العقوبات على بعض الشخصيات.