استقالة نواب «المستقبل» و«التيار» مُغامرة غير محسوبة ام مُناورة سياسية؟


منذ اسبوع قال مسؤول بارز لاحد زواره ان نسبة نجاح المساعي التي يقودها الرئيس نبيه بري لتشكيل الحكومة تكاد تكون متساوية مع نسبة الفشل، لافتا الى ان الفرصة المتاحة اليوم لحل الازمة تكاد تكون الاخيرة، نظرا للضغوط والمخاطر المحدقة بالبلاد نتيجة تفاقم الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي قد تؤدي الى خلط الاوراق بطريقة دراماتيكية اذا لم نسارع الى التأليف.

واليوم، يبدو ان التحذير العالي النبرة الذي أطلقه رئيس المجلس في الجلسة الاخيرة كان له وقع اكثر فعالية من المرات السابقة، يضاف اليه خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي وضع بشكل حاسم النقاط على حروف الخروج من الازمة بدعم مسعى بري ودعوة الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري الى الحوار المباشر.

ووفقا للمعلومات، فان بري لم يباشر اتصالاته ولقاءاته قبل ان يحصل على ما يشبه التعهد من طرفي النزاع بالتعامل مع مبادرته المتجددة بمواقف اكثر مرونة من السابق، وهذا ما جعله يندفع للجوء الى اخراج «ارانب الحلول» من اكمامه لحسم ومعالجة العقبات العالقة.

وتضيف المعلومات ان رئيس المجلس انطلق في مسعاه الجديد من معطيات مشجعة لمسها خلال لقائه مع كل من الحريري والنائب جبران باسيل على هامش جلسة المجلس، ومن الرئيس عون من خلال اتصاله به لهذه الغاية.

ومن هذه المعطيات الايجابية والمشجعة:

- تأكيد الحريري ان ليس لديه اي اسباب مخفية تحول دون تأليفه الحكومة سوى الاسباب التي اوردها في مداخلته امام النواب، والتي تتمحور حول موضوع الثلث المعطل المرفوض بكل الاشكال، وحول اختيار وزراء اختصاصيين غير حزبيين.

- تأكيد الرئيس المكلف استعداده لتشكيل حكومة من 24 وزيرا شرط ان تكون مطابقة للمواصفات التي اكد عليها غير مرة.

- ابداء الحريري استعداده لمناقشة اي صيغة تطرح حول عقدتي الوزيرين المسيحيين ووزارتي الداخلية والعدل.

- اما باسيل فأكد بدوره انه كما عبر في كلمته امام النواب لا يسعى الى اعتذار الحريري، بل هو مع تأليف الحكومة برئاسته وفق الاصول الدستورية.

- جدد رئيس التيار الوطني الحر انه لا يطالب بالثلث المعطل كما الرئيس عون ، وانه رغم عدم تسميته الحريري، فانه مستعد للتعاون ودعم حكومة الحريري بغض النظر عن منح او عدم منح نواب التيار الثقة لها.

وتقول المعلومات ان بري استطاع هذه المرة ان ينطلق بمسعاه بفاعلية اكثر مستندا الى امرين اساسيين:

1- الاجواء المشجعة التي لمسها من الرئيسين عون والحريري والنائب باسيل.

2- الاوضاع المتدهورة على كل الصعد التي تشهدها البلاد، والتي تشكل عوامل ضاغطة على كل الاطراف السياسية لا سيما على طرفي النزاع، وتوفر له ورقة اضافية لتحسين ظروف مسعاه الحالي.

وبانتظار صعود الدخان الابيض للحل الذي اجتهد بري لصياغته وتوفير شروط نجاحه، فان خيار تشكيل الحكومة يبقى الخيار الاول والاخير على طريق الخروج من الازمة، لان اي خيار إخر يعني الذهاب الى المجهول.

وبينما كانت امس، الانظار مسلّطة على عين التينة خصوصا بعد عودة الحريري واجتماعه مع بري، كانت بعض الاروقة السياسية تشهد حديثا وكلاما عن سيناريوهات متعددة محتملة اذا ما فشلت مساعي بري.

ومن بين ابرز هذه السيناريوهات، اقدام الحريري على الاعتذار مع استقالة نواب «كتلة المستقبل»، وكذلك استقالة نواب «تكتل لبان القوي» وما يستتبع ذلك استقالة نواب «القوات اللبنانية».

ماذا يمكن ان تحقق اي خطوة من الخطوتين؟

يقول مصدر سياسي بارز ان اعتذار الحريري المترافق مع استقالة نواب كتلته يعتبر «دعسة ناقصة» ومقامرة بكل المقاييس للاعتبارات الاتية:

- لا تأكيدات ولا ضمانات لاجراء انتخابات مبكرة اكان لملء الفراغ او لاجراء انتخابات كل اعضاء المجلس ، وعليه فان مثل هذه الخطوة ستؤدي الى مزيد من البلبلة والفوضى .

- ان استقالة «كتلة المستقبل» لن تؤدي دستوريا الى فرط المجلس او تعطيله ، خصوصا ان عدد نوابها بالاضافة الى النواب العشرة المستقيلين، وحتى نواب «القوات اللبنانية» هو دون النصف زائد واحد من عدد نواب المجلس.

- ان استقالة الحريري وكتلته لن تؤدي الى تحسين وضعه السياسي والشعبي في اي حال، بل ربما انعكست سلبا  وادت الى تراجع رصيده السياسي وعدد نوابه في الانتخابات.

وفي حال استقالة نواب «التيار الوطني الحر»، وان استتبعتها استقالة نواب «القوات»، فان مثل هذه الخطوة لن تكون نتائجها افضل من نتائج خطوة الحريري للاسباب الاتية:

- لا يوجد اي تأكيدات او ضمانات لاجراء انتخابات مبكرة في ظل الظروف الإقليمية والداخلية الراهنة، كما ان الميثاقية ليست عاملا ولا يمكن وحدها ان توفر اجراء الانتخابات المبكرة.

- اذا كانت «القوات» تتطلع الى زيادة حصتها النيابية، فان «التيار» وفق الاجواء القائمة والتوقعات مرشح ان يخسر عددا من مقاعده النيابية، وهكذا، يكون قد قدم هدية مجانية ل «القوات» على حسابه اولا وأخيرا.

- ان استقالة نواب «التيار» ستؤدي الى احداث مزيد من الفوضى والتداعيات السلبية التي ستنعكس اولا على العهد وعلى رئيس الجمهورية.

وبرأي المصدر ان خطوتي الحريري وباسيل لن تكونا لمصلحتهما في كل الاحوال، ما يبعث على الاعتقاد ان ما يحكى عن استقالة نواب هذا الطرف او ذاك هو اقرب الى المناورة السياسية من ان يكون خيارا جديا لدى الطرفين.

ويضيف المصدر ان لجوء اي طرف منهما ال مثل هذا الخيار هو ضرب من ضروب المغامرة التي لن تكون لمصلحة اي منهما. فالحريري يدرك جيدا ان هناك شركاء مضاربين له في الشارع السنّي يتربصون به لالتقاط اي فرصة مثل هذه الفرصة. وهناك ايضا في المقلب الآخر «القوات» واطراف مسيحية اخرى يعدون العدّة لاصطياد فرصة انزلاق باسيل الى خيار الاستقالة. لذلك يحرص غير مصدر في «التيار» على القول ان هذه الخطوة تخضع لدرس دقيق قبل اتخاذ موقف بشأنها.

اما اوساط «بيت الوسط» فتحرص في الوقت الراهن على تجنب الحديث عن احتمال اعتذار الحريري واستقالة نواب كتلته.

وفي شأن جولة بري الجديدة الرامية الى تذليل وحل العقد امام تشكيل الحكومة، يمكن القول انها تحركت بقوة امس، من خلال اللقاء المطول الذي عقده مع الحريري في عين التينة، والذي دام ساعتين، وتخلله مأدبة غداء في حضور المعاون السياسي لبري النائب علي حسن خليل ومستشار الحريري هاني حمود.

وقالت المعلومات الرسمية التي وزعت عن اللقاء ان الاجواء كانت ايجابية.

وعلم من مصادر مطلعة ان بري استمع من الحريري لشرح مفصل لموقفه من تشكيل الحكومة والذي عكس مواقفه المعلنة من هذا الموضوع. ثم طرح للرئيس المكلف اكثر من صيغة لحل العقد المتعلقة بتسمية الوزيرين المسيحيين ووزارتي الداخلية والعدل.

واضافت المصادر ان الحديث كان مفصلا، لافتة الى انه يجب ترقب ومتابعة الخطوات التالية لبري اكان من خلال المهمة التي سيوكلها لمعاونه السياسي للتواصل مع باسيل وحزب الله، او من خلال تحركه المباشر باتجاه بعبدا والاجتماع مع الرئيس عون، واللقاء ايضا في عين التينة مع باسيل.

ولفتت المصادر الى تحديد بري مهلة اسبوعين لجولته الجديدة، موضحة ان ما جرى في اللقاء مع الحريري وقبله التواصل مع رئيس الجمهورية وباسيل يبنى عليه لاستكمال حلقات الحل الناجز خلال هذه المهلة وربما في ايام قليلة.