المفارقة الأخطر، هي أن فصول الدوامة اللبنانية مستمرة، بينما يتمادى العلك والاجترار السياسي وهدر الوقت في حلقة الجدالات السقيمة وتبادل الاتهامات، لتبدو الاتصالات والتصريحات، في معظمها، في حلقة اجترار سقيم داخل المأزق المقيم، وجلّ الجديد الذي تحمله اليوميات ونشرات الأخبار والصحف، هو ما درج اللبنانيون على وصفه بـ «حركة بلا بركة «وفي هذه الدوخة يستمر تحليق سعر صرف الدولار، الذي يختصر الكارثة المالية والنقدية. وعلى رغم بعض المنافع العرضية و»المسكّنات» التي تتيحها التحويلات الوافدة  للأهل والأقارب، الذين تتحول بين أيديهم بضع دولارات إلى كدسة من مئات الآلاف بالليرة المسكينة المستضعفة، التي غدرها الانهيار، واستنزفها العمى السياسي في نظام الورم الخادع والاستقرار الكذّاب، الذي قام على السمسرة والتبعية.

أولا: مما لا شك فيه، أن في قلب مأساة الانهيار بعض الفضائل، ولاسيما فتح العيون على العيوب والعاهات وكي الوعي الشعبي، بما يكفي لانتشاله من سكرة البطر وأوهام البحبوحة الخادعة. فشدّ الأحزمة وضبط الاستهلاك والتحفّظ في الإنفاق، بل والعودة إلى بعض العادات والتقاليد من موروث شعبنا في المدن والأرياف، بما في ذلك إحياء التصنيع المنزلي لبعض المواد، وتداول الوصفات المتاحة، وتحوّل هذه المهارات إلى مشاريع استثمار عائلية، أحيانا، لترميم القدرة الشرائية المتهالكة. تلك هي ظواهر مستجدة تعمّ الأرياف والمدن اللبنانية عموما، وباتت عدوى تنتقل بسرعة في جميع المناطق، بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وما تضعه بالتصرّف الشعبي من وصفات واقتراحات، تلاقي الرغبة في التوفير وتعزيز مقومات العيش بالتكيّف مع الكارثة.

المصيبة الفعلية أن السعي الشعبي التلقائي للتكيّف والابتكار، ونخوة الأقارب العاملين في الخارج، هي بوادر إسعاف وإغاثة، أنتجها التفاعل العفوي للبنانيين مع الكارثة وتداعياتها. بينما لم تقدِّم السلطة القائمة أي بادرة إيجابية، ولا تفتقت «عبقريات» الواقع السياسي عن أيّ اقتراح مفيد أو بنّاء.

ثانيا: لا يمكن التعامل مع أزمة انهيار تتسارع وطأتها، رغم المخارج وأدوات الاحتواء، التي ابتكرها الناس عفويا بتراكم الخبرات والموروث الشعبي، الذي نستطيع إرجاعه إلى تاريخنا الحافل بالحروب والمجاعات والأزمات وتقاليد عائلاتنا الريفية، التي طمسها التورّم السكاني غير الطبيعي في المدن والمراكز الحضرية، وظهور أنماط استهلاك وتقاليد مشوّهة في زمن الانتفاخ المالي غير الطبيعي، المصحوب بتدمير البنى المنتجة، وإهدار فرص النمو الطبيعي للاقتصاد الوطني. والمشكلة أن العقل السياسي المستلب في دوامة لحس المبرد وتجريب المجرّب يتسم ببلادة وتخلّف واغتراب مفجعين، بعيدا عن أي مبادرة خلاقة أو ابتكار يسهم في ملاقاة الفرص المتاحة بمبادرات واعية منظّمة تحت رعاية السلطة التنفيذية والمؤسسات العامة المشلولة والمعطلة في متاهة اغتراب وانفصال عن الواقع، والمأخوذة بأولويات ذاتية وأنانية ضيقة متشعبة خارج السياق الطبيعي لمسؤولياتها الوطنية المفترضة عن إنقاذ البلد. ولولا بعض المبادرات اليتيمة، التي تتخذها بعض الجهات السياسية والأهلية للمساعدة في احتواء الكارثة، وتخفيف وطأتها على الناس، لقلنا إن البلد يسبح في حالة انعدام وزن تدعو إلى اليأس.

إن العمل لتنظيم القدرات والتقاط الفرص، يتطلب تفكيرا جديدا، ونفيرا وطنيا على صعيد مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية. ويمكن لنا أن نورد عشرات الأمثلة عن قرارات تنفيذية وتشريعات، يمكن لنا بواسطتها المساهمة في عكس الاتجاه، والانتقال من وقف الانهيار الكارثي إلى نهوض حقيقي بهيكليات اقتصادية جديدة نامية ومستقرة وواعدة بازدهار راسخ.

ثالثا: لا ندعو إلى ثورة اشتراكية في البلد، وإن كنا نتبناها كمنظومة تفكير منهجي في الأفق الاستراتيجي الأبعد مدى، للتطور على مستوى المشرق العربي، يشترط التلازم مع فكرة الوحدة الإقليمية والقومية، وإلا باتت وصفة لاشتراكية الفاقة، وليست مشروعا للرخاء والنمو والعدالة. وهذا بحث آخر ليس مجاله ولا وقته راهنا.

المطلوب بناء قطاعات إنتاجية تحظى بالحماية والرعاية الممكنة، وبعلاقات تبادل واسعة ومتنوعة، ما أمكن، مع الخارج الإقليمي والدولي بأولوية المصالح الوطنية وحاجات التنمية الوطنية، وبمنطق رفض جميع أدوات الاستتباع والارتهان لمراكز الهيمنة الأجنبية والإخضاع الاقتصادي والمالي. وهذا هو لبّ الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية، بما يليق تاريخيا ببلد المقاومة، ومقلع التحرّر في الشرق العربي. وهذا الأفق يتطلّب التقرّبُ منه خطة سياسية وطنية شاملة وطموحة، يمثل مضمونها الواقعي والتبشير بمحاورها أول الطريق في مراكمة نهضة وطنية، لشق مسار جديد، يتخطى الانهيار، وينتقل بالبلد إلى حالة لائقة من الاستقرار والنمو، وليس في ذلك استحالة أو معجزة، لكن الأمر يستدعي امتلاك الوعي والإرادة، وبلورة الأطر المنظمة المؤهلة لخوض هذه المعركة الممكنة.