تعليقاً على مقالة الأمس، قالت لي شخصية سياسية عربية «قصتكم مع الحكومة ذكّرتني بما حدث لقبيلة عندنا اشتهر أهلها بالحماقة. ذات يوم أدخل ثور رأسه في آنية من الفخار ولم يتمكن من اخراجه. احتاروا ماذا يفعلون. نقلوا الأمر الى شيخ القبيلة الذي طلب منهم سكيناً. ذبح الثور، ثم طلب مطرقة حطم بها الآنية، وأخرج الرأس.

أهل القبيلة هللوا لعبقرية شيخهم ليفاجأوا بأنه جلس عند باب خيمته وراح يبكي. وحين سألوه عن سبب بكائه، أجاب «كنت أفكر بما يمكن أن يصيبكم اذا مت».

أضافت الشخصية اياها... « وأنا أبكي من أجلكم، أنتم الشعب الرائع، ماذا يمكن أن يحل بكم من ويلات اذا ما توارى حكامكم العباقرة عن المسرح ؟ «.

في رأيه «أي تشكيلة يأتون بها ستكون لادارة الهلهلة لا لادارة المعجزة التي يحتاج اليها لبنان للعودة الى الحياة» ، ليقول «الديبلوماسيون الأجانب أبلغوا كبار المسؤولين لدينا بأن لبنان مقبل على «فوضى جهنمية» اذا ما بقي التدهور في ايقاعه الراهن».

البنك الدولي، وحيال ما يدعى بـ»الفرصة الأخيرة»، اطلق انذاره الأخير «لبنان يغرق». دولة في الطريق الى الانهيار أو الى الانفجار...

المثير هنا أن المحافل القانونية في باريس دعت بعض النخب اللبنانية الى تقديم دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الأوليغارشيا الحاكمة لأنها، بلامبالاتها أو بتهتكها، تدفع بآلاف اللبنانيين الى الموت جوعاً أو الى الموت أمام أبواب المستشفيات، أو أمام أبواب المستودعات.

ثورة الجوعى باتت أكثر من أن تكون احتمالاً. ثورة المطارق، لا ثورة القبضات العارية، آتية لا محالة. تحويلات المغتربين لم تعد تحل، أو تبطئ، التسونامي الذي يدق على الأبواب. أكثر من 60 % من اللبنانيين لن يجدوا القوت لأطفالهم. هؤلاء لن يترددوا في أن يجعلوا الهيكل يسقط فوق رؤوس الجميع.

خيار الانقلاب العسكري، وفي عهد قائد للجيش عرف باستقامته، يبدو مستحيلاً في دولة مركبة طائفياً، وقبلياً. الفرنسيون يعتبرون أن الجدران الطائفية تسقط أمام الجوع، ولا بد للدبابات أن تتكلم لأن أصحاب الشأن لا شأن لهم سوى انقاذ أنفسهم.

بعض الأصوات التي عرفت بزبائنيتها، وبرهاناتها  على قيام الكانتونات الطائفية، تدعو الى انتخابات نيابية مبكرة لانتاج السلطة البديلة. أي ساذج يتوقع أن تأتي صناديق الاقتراع، المبرمجة على قياس ملوك الطوائف، اياهم ملوك المافيات، بالسلطة البديلة ؟

لماذا لا تكون حكومة عسكرية، بصلاحيات استثنائية ولمدة محدودة. هذه الحكومة ليست فقط لتنظيف الدولة من الفساد ؟ ومن العفن، وانما أيضاً للاصلاح المالي، والاقتصادي، والسياسي، وعبر قانون انتخابات شفاف، وفاعل، لا القانون الذي لا يليق حتى بالماعز، وهو القانون الذي درجنا عليه منذ عقود ليعكس المسار الفلسفي للطبقة الحاكمة.

أي حكومة عسكرية لا تستطيع حتى فرض الاقامة الاجبارية على آلهة الطوائف (أنفسهم آلهة الأزقة). الطرق الى جزر الباهاما، أو الى الكوت دازور، أو الى البيفرلي هيلز، مشرعة أمامهم ما دامت ثرواتهم، ثروات علي بابا والأربعين حرامي، قد سبقتهم الى هناك.

أحد معلقي «الفايننشال تايمز» تحدث عن «ذلك اللبنان الذي تحكمه الأوثان» . تحديداً الأوثان البشرية التي لا يتناهى اليها أنين الناس، الأنين الذي لامس حتى السماء. أبواب السماء موصدة كما أبواب الأرض.

ما معنى الفرصة الأخيرة ؟ حكومة اختصاصيين أم حكومة دمى؟ وهل حقاً أن برنار ايميه، رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية، وكان سفيراً في بيروت، دسّ في جيب سعد الحريري لائحة بالاختصاصيين الذين ترى باريس أنهم يتمتعون بالصدقية لدى المؤسسات المالية الدولية ؟ هذا الكلام دقيق جداً. في هذه الحال، من هي الجهة التي تحرك الخيوط ؟

الخيار الحقيقي للاليزيه حكومة عسكرية تضم تلك الثلة من الاختصاصيين، والا الدخول، ثانية، في الدوامة لأن  من دفع بالبلاد الى الجحيم لا يستطيع أن يشق أمامها الطريق الى النعيم...