الحسابات ستختلف وفق القانون الحالي مع اختلاف التحالفات


يُراهن الكثيرون في الداخل والخارج على إجراء الإنتخابات النيابية لإحداث التغيير في لبنان، ودفع الأمور الى تحسين الوضع الإقتصادي والمالي المُنهار، سيما أنّ أي حكومة ستُشكّل قريباً، أكانت برئاسة الرئيس المكلّف سعد الحريري أم سواه ستبقى حكومة ممثلي الأحزاب السياسية التي تتحكّم بالبلد. ولكن من غير المؤكّد أنّ هذه الإنتخابات ستحصل في موعدها، وقد لا تجري أيضاً في وقت مُبكر حتى وإن قامت بعض الأحزاب باستقالات جماعية من المجلس النيابي، إذ بالإمكان إجراء إنتخابات فرعية لانتخاب نوّاب جدد بدلاً من النوّاب المستقيلين، أو الإبقاء على المجلس كما هو، لعدم إدخال البلاد في «معمعمة» الإنتخابات المُبكرة قبل أشهر من موعدها الفعلي.

ويبدو أنّ أيا من الأحزاب التي تلوّح بورقة الإستقالة من المجلس النيابي بهدف تقصير ولايته أو إسقاطه، ليس جدّياً في طرحه، على ما أكّدت مصادر سياسية عليمة، فهذه الورقة مجرّد ذرّ الرماد في العيون ليس إلّا، وخصوصاً أنّ أيا منها ليس مستعجلاً لإجراء الإنتخابات. فحزبا «الكتائب اللبنانية» و «القوّات اللبنانية» الأكثر حماساً للإنتخابات المُبكرة، لا يزالان يقومان بحسابات الربح والخسارة، على غرار سواهما من الأحزاب كون التحالفات الجديدة ستؤدّي الى نتائج مغايرة. فإذا جرت الإنتخابات، مُبكراً أو في موعدها، وفق القانون الحالي الذي اعتُمد للمرّة الأولى في العام 2018، فإنّ مقاعد هذين الحزبين لن تزيد، بل سيعمل كلّ منهما على نسج تحالفات جديدة ربّما للحفاظ على عدد المقاعد نفسه.

وتقول انّه في حال جرت الإنتخابات المقبلة وفق القانون الحالي أي النسبية الموسّعة والمقسّمة على 15 دائرة مع الصوت التفضيلي، فإنّ حزبي «الكتائب» و «القوّات» يعوّلان أولاً على هذا القانون الذي حدّد حجم كلّ منهما، وثانياً، على وقوف الشارع الى جانبهما خلال الإنتخابات، كما وقفا الى جانبه خلال التظاهرات الإحتجاجية. فحزب «الكتائب» يعتقد بأنّ الشعب لن يخذله كون نوّابه الثلاثة استقالوا تلبية لمطلب هذا الأخير بضرورة سقوط كامل الطبقة السياسية، وحزب «القوّات» كونه يُحاول أن يُظهر نفسه بأنّه مختلف عن بقية الأحزاب وبأنّه غير مسؤول عن الفساد، وعن الوضع المنهار الذي وصلت اليه البلاد. كما أنّه أبدى تعاطفاً مع الشعب المنتفض، في حين كان هو الذي يُحرّك الشارع في تظاهرات عديدة.

فإذا كان حزب «الكتائب» يملك 3 مقاعد اليوم، فإنّه قد يُحافظ عليها أو يخسر أحدها، على ما أضافت المصادر، في الوقت الذي لن تزيد فيه بالضرورة كتلة «القوّات» النيابية. فمقاعدها الـ 15 قد تنقص، خلافاً لما تعتقد بأنّها ستُصبح الكتلة المسيحية الأكثر تمثيلاً بـ 20 أو 30 مقعداً، وذلك لأنّ نوّاباً قوّاتيين عديدة وصلوا الى البرلمان بالصوت السنّي. ويبدو جليّاً اليوم أنّ العلاقة بين «القوّات» و «تيّار المستقبل» في أسوأ حالاتها، ما يجعل عدم التحالف بينهما هو المرجّح خلال أي إنتخابات نيابية مقبلة.

ففي دائرة عكّار على سبيل المثال، لمن سيذهب الصوت السنّي، على ما تتساءل المصادر، وهل ستتمكّن «القوّات» من تأمين الحاصل والحصول على مقعد أو الإحتفاظ بمقعد النائب وهبه قاطيشا؟ فالصوت السنّي في هذه الدائرة سيصبّ لمصلحة «تيّار المردة» الذي سيُحافظ على مقعده في دائرة الكورة كون الصوت الشيعي الى جانبه. وكذلك في زغرتا والبترون. وفي بشرّي لدى «القوّات» نائبان ونائب في البترون، قد تحافظ عليها، ولكن ليس في الكورة.

وفي دائرة كسروان- جبيل حيث الثقل المسيحي الأكبر، فإنّ االمعركة بين المسيحيين ستحصل على المقعد الخامس فقط، على ما لفتت المصادر عينها، كون «التيّار الوطني الحرّ» سيحصل على مقعد، و «القوّات» على مقعد أيضاً، وكذلك النائب نعمة افرام الذي استقال من المجلس ومن «تكتّل لبنان القوي»، والمقعد الرابع يكون من نصيب النائب فريد الخازن. أمّا في جبيل فلا تستطيع «القوّات» تحصيل مقعدين، بل ستبذل جهداً للحفاظ على مقعدها الحالي. وفي المتن، لديها مقعد واحد ولا تستطيع بالتالي الحصول على مقعدين. كذلك الأمر في دائرة بعبدا لديها نائب واحد ولا يمكنها الحصول على مقعد ثانٍ. وفي زحلة لديها نائبان ولن تتمكّن من تحصيل المقعد الثالث إلا بجهد كبير. أمّا في قضاء بعلبك - الهرمل، فإذا لم يتحالف «المستقبل» مع القوّات» فمن الصعب أن يبقى مقعد النائب أنطوان حبشي، اذ لا يُمكنه كذلك الإتكال على الأصوات الشيعية.

وهذه العملية الحسابية، على ما أضافت، تُظهر بأنّ «القوّات» الأكثر استعجالاً للإنتخابات النيابية لن تستقيل من المجلس حالياً قبل أن تتأكّد من أنّ تحالفاتها في بعض الأقضية ستجعلها تُحافظ على عدد مقاعدها الذي ارتفع في الدورة الأخيرة بسبب القانون الإنتخابي الجديد. أمّا في حال جرى التوافق على تغيير القانون الإنتخابي الحالي، لا سيما إذا ما تشكّلت «حكومة إنتخابات»، وليس «حكومة إصلاحات»، كون الوقت لن يعد يسمح لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، فإنّ كلّ الحسابات ستتغيّر وسيُعاد خلط كلّ الأوراق.

ومن هنا، فإنّ بعض الأحزاب تُلوّح بالإستقالة لتحمّس الأحزاب الأخرى للقيام بهذه الخطوة، في حين أنّها لا تُقدم هي عليها. ويعتقد بعضها بأنّ الإستقالة من شأنها تعزيز شعبيتها، في حين أنّ النوّاب الذين استقالوا تلبية لمطلب الشعب، قد نًدِموا في وقت من الأوقات على اتخاذ هذا القرار الذي حرمهم من الإدلاء بصوتهم في البرلمان لا سيما عند الإستحقاقات المهمّة.

ومن يُراهن على المزاج الشعبي قد يخسر، على ما شدّدت المصادر ذاتها، سيما أنّ هذا الشعب الذي بات يُعاني التفقير والتجويع والبطالة اليوم في ظلّ سلطة عاجزة عن إيجاد الحلول لأصغر مشكلة في البلد، ستمتنع نسبة كبيرة منه عن التصويت. ففي الوقت الذي كان فيه الشعب يُعوّل على صعود شخصيات مستقلّة من انتفاضة 17 تشرين قادرة على إحداث تغيير ما، خاب ظنّه بأنّ الثورة لم تلد أي وجه جديد يستطيعون الإتكال عليه. لهذا يبقى بعضه متمسّكاً بوجوه سياسية نزيهة ولكن قد لا يستطيعوا بمفردهم تكوين سلطة جديدة في البلاد.

وترى أنّه إذا عادت الأحجام نفسها في أي برلمان جديد، مع تغييرات طفيفة، مقعد أو اثنان بالناقص أو بالزايد لكلّ حزب، فإنّ هذا لن يُشكّل التغيير المطلوب في السلطة. ولهذا فإنّ الحلّ قد يكون بمؤتمر تأسيسي لولادة الجمهورية الثالثة على أسس مغايرة لتلك التي شهدتها البلاد خلال السنوات الثلاثين الأخيرة.. ولكن هل التوافق على هذا المؤتمر قد يُصبح حقيقة قريباً في ظلّ التقارب الأميركي- الإيراني والسعودي - الإيراني؟ يأمل اللبنانيون ذلك لأنّ غضبهم من الوضع المتدهور قد ينفجر في أي لحظة وبشكل كبير وعنيف.