عادة ما تتجه الحكومات التي يواجه نظامها أزمة اقتصادية، في معظم دول العالم، إلى وضع خطط عمل لجذب الاستثمارات الخارجية ودعم وتشجيع المبادرات الفردية للقطاع الخاص، بغية تأمين فرص عمل للشباب ما سينعكس انخفاضا بمعدل البطالة والفقر، كما سيحرّك وينشّط الدورة الاقتصادية، ويعيد الحياة لأكثر من قطاع مهدد بالشلل، ويحيي الأمل بقلوب المواطنين فيبقيهم في بلدهم.

إلا في لبنان، حيث القاعدة أصبحت شواذا، فبدل تقديم طروحات لجذب المستثمرين وتحفيز اللبنانيين على تأسيس مشاريعهم الخاصة تقوم المصارف والدولة بـ»تهشيل» هؤلاء، عبر منعهم من فتح حسابات بالدولار أو حتى بالليرة اللبنانية، فيما تفرض المادة 185 من قانون التجارة على أي شركة ناشئة فتح حساب مصرفي لإيداع رأس المال.

في المقابل، تؤثّر مسألة شحّ المحروقات، وأزمة «الانترنت» والسحوبات المصرفية بالقطارة، على إقبال المستثمرين وكبار الشركات على انشاء مشاريعهم في لبنان او فتح فروع لشركاتهم، كما تعرّض النظام المصرفي والمؤسساتي الحالي لخطر الزوال، حيث أنّ معظم عمليات قطاعات المعلوماتية ترتكز على «الانترنت» والمحروقات. فيما لبنان أمام فرصة حقيقية اليوم للنهوض باقتصاده من جديد، فانهيار قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار جعل الأيدي العاملة اللبنانية رخيصة، وانعكس إيجابا على كلفة الإنتاج التي انخفضت نسبيا، ما يعتبره العديد من المستثمرين «أرضا خصبة» لتوظيف أموالهم وتحقيق أرباح طائلة.

ومع كل الدراسات التي تؤكّد وجوب الانتقال من الاقتصاد المدولر الريعي الى المنتج، حظوظ وفرص عديدة ستكون بانتظار كلّ من القطاع الصناعي والزراعي والتكنولوجي، فهذا الأخير يضمّ أكثر من 800 شركة، وهو يؤثر في الناتج المحلي بشكل كبير، علمًا أن صادراته شكّلت نحو 34.8 في عام 2013 بالرغم من كل الأوضاع الأمنية التي تهدد استمرارية هذا القطاع وعمله وعلى الرغم من إهمال الدولة وتهميشها لهذا القطاع لأكثر من 30 عاما.

وإلى جانب الزيادة في أعداد الشركات الناشئة، ارتفعت أيضاً المبالغ المخصصة للاستثمارات من 2001 إلى 2017، حيث بلغت قيمة الاستثمارات في الشركات الناشئة العاملة في قطاع التكنولوجيا المالية في المنطقة أكثر من 200 مليون دولار أميركي، لتحتل الشركات اللبنانية المرتبة الثالثة إقليمياً لناحية قيمة الاستثمارات، وفقاً لبحوث معمّقة أجرتها «عرب نت».

إلا أنّ لبنان خرج للمرة الأولى من فئة المراكز الخمسة الأولى للاستثمار في «الشركات الناشئة» startups في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بانخفاض بلغت نسبته 78% في الصفقات المحققة بهذا المجال خلال النصف الأول من العام 2019 أي مع بداية الأزمة، بعد ان كان يحقق نموا سنويا بحدود الـ 70% والـ 90%.

إلى ذلك، تشكل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم ما يقارب 95٪ من الشركات في لبنان وتوظف حوالى 50٪ من اليد العاملة. ولذلك فإن المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم تشكل ركنا للاقتصاد، وتعتبر هذه الشركات محركا اقتصاديا رئيسيا لتعزيز النمو وخلق فرص العمل. فكيف بإمكان المعنيين تضييع فرص مشابهة في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لها؟

وفي هذا الإطار، يلفت خبير المخاطر المصرفية وبناء القدرات، محمد فحيلي، إلى أنّ «مسألة فتح حسابات جديدة بالدولار أصبحت «وجعة راس» للمصارف، لا سيما وأنّ التعميم 580 الصادر عن مصرف لبنان في 25 شباط 2021 يجبر المصارف على إيداع ما يوازي نسبة 100 في المئة من قيمة الأموال الجديدة بالعملة الأجنبية نقداً لديه، أو لدى مراسليه في الخارج في حساب حر من أي التزامات، وعليه فان المصرف لا يستفيد بشيء من أي حساب جديد يفتح لديه بل على العكس فان الحسابات الجديدة تزيد من أعبائه وترتب عليه التزامات مادية».

وعن الحسابات الجديدة بالليرة اللبنانية يقول فحيلي أنّ «هذه الحسابات فاقدة لقيمتها خصوصا بعد أن فقدت العملة الوطنية أكثر من 75% من قيمتها، ما سيجعل القيمة الحقيقية أو الفعلية لليرة غير معروفة، وسيعجز المصرف عن توظيفها بتسليفات، خصوصا وأنّ الموظفين الموطّنة رواتبهم يقومون بسحبها في مطلع كل شهر بسبب عدم ثقتهم بالنظام المصرفي».

ومن ناحية أخرى، يتابع فحيلي، «أن السقوف المفروضة على كميات السيولة التي تطلبها المصارف تجعل المصارف تمتنع عن فتح الحسابات الجديدة، وترفع العمولة على كل ما يتعلق بتوطين الرواتب والسحوبات النقدية، لأنه وفي حال تخطي هذه السقوف ستحسم الزيادة من شهادات الإيداع التي تملكها المصارف لدى «المركزي»، ويشطب جزءاً من الفوائد المستحقة للمصارف مقابل هذه الشهادات».

وعن الحلول التي يمكن اعتمادها يرى أنه «ومن بوابة اعادة ترميم الثقة يتوجب على السلطة النقدية والقطاع المصرفي تقديم تسهيلات لأصحاب الشركات الناشئة بدأ من إعفائهم من الضرائب ووصولا إلى إصدار مجلس النواب قرارا يلزم فيه المصارف بفتح حسابات بالليرة اللبنانية، وهو ما كان يجب أن يكون من اهتمامات لجنة المال والموازنة التي كان عليها أن تدفع باتجاه إلزام المصارف على فتح حسابات غب الطلب بالليرة اللبنانية».

ويختم بالقول أنّ « أداء السلطة يصب ببحر الاستبعاد المالي وليس الشمول المالي وإذا استمرّ الوضع على هذا الموّال ستدفن السلطة القطاع التجاري وهو حي، لأن ما يحصل هو تشجيع المودعين على اقفال الحسابات بدل فتحها أو ابقائها».

في المحصلة يتوجّب على المعنيين التحرك بسرعة ووضع خطط لتسهيل عملية جذب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع اللبنانيين على انشاء شركاتهم في لبنان بدل اضطرارهم الى تسجيلها في دول أجنبية كمصر وتركيا وقبرص. فالأزمة وبالرغم من مشاكلها الكثيرة، إلا أنها قد تكون فرصة حقيقية للنهوض بأكثر من قطاع قد يعيد الحياة الى النظام الاقتصادي لا سيما قطاع التكنولوجيا والمعلوماتية الذي سيكون المستقبل لسوق العمل.