لماذا لا يُحرّك اللبناني ساكنًا على الرغم من التردّي الحاصل؟

يطرح المراقب لتسلسل أحداث الإنهيار المُستمر في الإقتصاد اللبناني، أسئلة عديدة ولعل إمتناع السلطة التنفيذية عن إتخاذ أي إجراءات يأتي على رأس هذه الأسئلة.

التداخل القوي بين السياسة والإقتصاد والحصرية التي أعطتها دساتير الدول للحكومات في القرار الاقتصادي، تجعل الإقتصاد واللاعبين الإقتصاديين (شركات وأسر) تحت سلطة الحكومة في كل قراراتها. المخاوف الأساسية التي تجتاح العلوم الإقتصادية تطال الأيدولوجيات السياسية التي تفرض نفسها (كضيف ثقيل) على الواقع الاقتصادي وبالتالي تُلغي كل الحقائق العلمية لصالح أيدولوجية قد لا تكون الأنسب للمجتمع ولكنها مفروضة سياسيًا بحكم أن السلطة مُنتخبة من الشعب.

وبالتالي تمّ حصر القدرات العلمية في العلوم الإقتصادية ضمن إطار الأيدولوجية التي تفرضها السلطة الحاكمة والتي تجعل من تعظيم عمل الماكينة الإقتصادية مرهونًا بعوامل عديدة وعلى رأسها العوامل الجيو— إقتصادية التي تتعلّق بدورها بالعديد من العوامل الأخرى مثل العوامل الجيوسياسية، والجغرافية، والثقافية.

النماذج العلمية للتدخل السياسي – الاقتصادي تنصّ على إدخال القطاع العام كعنصر محوري في الديناميكيات السياسية – الإقتصادية. وتُظهر هذه النماذج أن اللاعبين يمتلكون وظيفة منفعة صريحة تدمج المتغيرات الاقتصادية والسياسية في وقت واحد، والتي يقررونها بموجب مجموعة من القيود الاقتصادية والسياسية. لذا يلعب دور نزاهة واستقلالية القطاع العام دورًا رئيسيًا في نهوض الدولة الاجتماعي والإقتصادي.

الحكومات لديها أهداف الحفاظ على السلطة، وأهداف أيديولوجية (عن قناعة أو بسبب ضغوط)، ولكن أيضًا أهداف طويلة المدى تتوافق مع الاستقرار والرفاهية حتى لو كانت هذه الخيارات، على المدى القصير، لها أثمان مكلفة من حيث الشعبية أو نتائج الانتخابات. على هذا الصعيد، تنص نظرية دورة الأعمال السياسية على أن قصر النظر النسبي للناخبين، يجعل الحكومات تميل إلى عدم إستقرار الاقتصاد، كما تفرضه نظرية السياسة الاقتصادية المثلى (Optimized Policies)، وتتوجّه – أي الحكومات – إلى زعزعة إستقرار الاقتصاد بطريقة سياسية – انتخابية مفيدة للأحزاب في السلطة.

تُشير الأبحاث المخبرية إلى أن هذا الواقع هو أكثر ظهورًا في البلدان في طور النمو أو غير النامية. فوضع سياسي غير ثابت يؤدّي حكمًا إلى هروب رؤوس الأموال والهجرة مع تراجع ملحوظ في الناتج المحلّي الإجمالي وزيادة في التضخّم. على هذا الصعيد، يُعطي الباحث «جان – دومينيك لافي» مثالا عن مؤسسات الدولة التي تخسر الأموال حيث يُظهر التحليل المُعمّق أن هناك إعتبارات سياسية لإستمرار هذه المؤسسات على حساب الإعتبارات الإقتصادية التي تفرض إلغاءها أو إعادة هيكلتها بالحدّ الأدنى. وبالتالي يستنتج «لافي» أنه من المُستحيل فهم السياسات الإقتصادية في البلدان غير النامية أو في طور النمو من دون إدخال البعد السياسي الذي يبرز أكثر من دوره في البلدان المُتطورة حيث يتمتع الناخب بوعي إقتصادي أكبر.

هذا الأمر نمذجه «لافي» في رسم يُظهر ديناميكية العلاقة بين السياسة والإقتصاد (أنظر إلى الرسم). وقسّم «لافي» الرسم إلى ثلاثة بلوكات ديناميكية:

البلوك الأولّ ويحوي على التأثيرات الإقتصادية والسياسية للإجراءات المُتخذة من قبل الحكومة واللاعبين الخارجيين (صندوق النقد مثلًا) وهو ما يبرز على الرسم في الأسهم رقم 3، 4، 10، 8 و9 على الرسم؛


البلوك الثاني ويحوي على ردة الفعل الإقتصادية والسياسية للحكومة على أحداث إقتصادية وسياسية مُعيّنة. وهو ما يظهر في الرسم على الأسهم 1، 2 و5.

البلوك الثالث ويحوي على تبرير للمساعدات الخارجية بحسب الإطار الاقتصادي والسياسي القائم آنيًا.

وتُظهر أبحاث «لافي» أن القطاع الخاص هو العنصر الأساسي في العلاقات الإقتصادية خاصة النمو الاقتصادي، التجارة مع الخارج، التضخّم، وميزان المدفوعات، والوظائف. وبالتالي تتفاعل الحركات العمالية والمجتمع المدني مع تطوّر هذه المؤشرات من خلال إحتجاجات وإضرابات والتي تُترجم عادة بثمن إنتخابي تدفعه القوى السياسية في البلدان التي فيها ديموقراطيات ووعي مُجتمعي كبير. لكن في الدول التي يلعب فيها وعي أقلّ أو يلعب البعد المذهبي دورًا في اللعبة السياسية، تتعقد الأمور بشكل كبير!

يقول الباحث Zeev Maoz من جامعة ميشيغان، ان البعد الديني لا يدخل فقط في الحياة الشخصية، بل له تأثير في الحياة العامة من خلال مأسسة الكيانات الدينية وبالتالي تلعب هذه المؤسسات دورًا في التأثير الأيديولوجي والعملاني على الأرض (الممارسات الدينية) داخل مجموعات تُصوّت عادة بنفس الإتجاه في الانتخابات. وهو ما يتمّ إستغلاله من قبل القوى السياسية في إتجاه مصالح سياسية إقتصادية تؤدّي عادة إلى ضرب الديموقراطية بمفهومها النظري القائم على قانون الأعداد الكبيرة وخيارات حرّة مبنية على وعي الناخب الإقتصادي.

في القرن التاسع عشر، عالج كارل ماركس مُشكلة دور الدين في السياسية ضمن نطاق الفلسفة السياسية. ويقول ماركس أن النخب التقليدية والبرجوازية تستخدم الدين لدعم البنية الطبقية وخضوع البروليتاريا (Elster 1985). هذا المفهوم هو عنصر مهم لما نصفه بالمنظور الذرائعي للدين والنظرية السياسية. ومع ذلك، حتى في الماركسية، يلعب الدين دورًا داعمًا فقط.

إذا ومما تقدّم نرى أن التقاعس في القرارات الإقتصادية يكمن في قسم كبير في الحسابات السياسية والدينية التي تُسيطر على الحياة الإقتصادية اللبنانية. ويبقى السؤال: ما الذي يمنع المجتمع المدني والحركات العمالية في لبنان من القيام بإحتجاجات كما تنص عليه النظرية السياسية والإجتماعية والفلسفية؟

العديد من التبريرات تمّ إعطاؤها في تحاليل الخبراء منها أن الشعب لم يصل إلى نقطة المجاعة بعد، بالإضافة إلى الإرتهان والإستزلام للقوى السياسية والأحزاب، والإستفادة المادية من هذه الأحزاب، والبعد الديني الذي يقسم المُجتمع اللبناني إلى مجموعات. وبإعتقادنا، وكما صرّح كارل ماركس على هذا الصعيد، لا يعي المُجتمع اللبناني حقيقة الواقع المرّ الذي وصل إليه المُجتمع اللبناني مع الـ social dumping الذي تعرّض له والذي ستظهر آثاره في المرحلة المُقبلة بشكل عنيف قد يقود إلى ردات فعل عنيفة على شكل ما حصل في رومانيا في تسعينات القرن الماضي.