في أعقاب أزمة الرهن العقاري خلال 2008، أصبحت الجهات التنظيمية عازمة لوقف هذا النوع من ضغوط التمويل التي أضعفت النظام المالي.

تضمنت الجهود المبذولة لدعم النظام متطلبات سيولة جديدة تقضي بأن تحتفظ البنوك الكبيرة باحتياطيات كبيرة من الأصول الآمنة والسائلة الواضحة، والتي يمكن استخدامها للحماية من التدفقات الخارجة.

تندرج هذه المحافظ عادة تحت مظلة الأصول السائلة عالية الجودة. ولكن هناك طريقة أخرى للتفكير فيها، وهي كشكل من أشكال القيود المصرفية -وهو مطلب يجبر البنوك على الاحتفاظ بكميات كبيرة من الأوراق المالية ذات العائد المنخفض بشكل عام مثل سندات الخزانة الأمريكية (والتي يمكن استخدامها كضمان في سوق إعادة الشراء)، والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري والاحتياطيات- في ميزانياتها العمومية.

الأصول السائلة عالية الجودة

على غرار المقولة الشهيرة لـهنري فورد حول قدرة العميل للحصول على "سيارة مطلية بأي لون يريده طالما أنها سوداء"، تستطيع البنوك تعديل أو تحسين محافظ الأصول السائلة عالية الجودة طالما أنها تتكون فقط من الأصول التي تندرج تحت تعريف تنظيمي صارم لكلمة "سائل".

(بالطبع، يمكن القول إن القواعد جعلت البنوك أكثر تشابكاً مع سوق عقود إعادة الشراء (الريبو) في أعقاب أزمة عام 2008، وهي نقطة ضعف ستعود لتطاردها في عام 2020).

ستجد عادة أن محافظ الأصول السائلة عالية الجودة تنحسر وتمضي جنباً إلى جنب مع العائد وأسعار الفائدة المتاحة. لقد طرحنا الموضوع لأن أحد الأمور الذي كان أكثر إثارة للاهتمام خلال تحركات السوق في الأسابيع الأخيرة كان سندات الخزانة الأمريكية، حيث ظلت العوائد ضمن نطاقها بشكل قوي، حتى مع تزايد المخاوف بشأن التضخم إلى جانب إصدار ديون جديدة أمريكية.

وهناك حجة يمكن طرحها وتفيد بأن أحداث عام 2020 حفّزت البنوك على اقتناص سندات الخزانة الأمريكية لصالح محافظها من الأصول السائلة عالية الجودة بها بطريقة غير مسبوقة، حيث اشترت ما قيمته 350 مليار دولار من السندات أو نحو ذلك خلال 2020.

بعبارة أخرى يمكن للقيود المصرفية أن تفسر الموقف المتفائل على ما يبدو لسوق الدين فيما يتعلق باحتمالات حدوث تضخم وعرض أعلى.

دور البنوك العالمية المهمة

كما جاء في مدونة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي فإن:

"البنوك النظامية العالمية المهمة مخولة بحيازة محفظة كبيرة من الأصول السائلة عالية الجودة، ولكن هناك درجة من الحرية في تكوينها". يشمل أعلى مستوى للأصول السائلة عالية الجودة الاحتياطيات، وسندات الخزانة، وعقود إعادة الشراء العكسي لسندات الخزانة.

"عندما ارتفعت معدلات إعادة الشراء العكسي فوق الـ"ايور" (IOR) (الفائدة على الاحتياطيات) في عام 2018، بدأت البنوك النظامية العالمية المهمة في إعادة ترتيب محفظة الأصول السائلة عالية الجودة الخاصة بها بالتخلص من الاحتياطيات وتحويلها إلى الريبو العكسي".

"وفي حين تقف الفائدة على الاحتياطيات عند 0.1% وإعادة الشراء العكسي عند 0%، تنحو البنوك ذات الأهمية النظامية في حيازاتها من الأصول السائلة عالية الجودة نحو سندات الخزانة. كما يعمل بعضها أيضاً على زيادة حيازته من الأوراق المالية المدعومة برهن عقاري بشكل كبير، وهي أوراق ذات جودة أقل قليلاً من الأصول السائلة عالية الجودة (المستوى 2 أ)".

المعنى الضمني هنا هو أن مصدراً فنياً للطلب -أي البنوك التي تشتري سندات الخزانة الأمريكية لتلبية متطلبات السيولة- قد وضع حداً فعالًا للعوائد، وربما جردها من بعض القيمة المعلوماتية فيما يتعلق بأفكار السوق بشأن مخاطر التضخم بالضبط.

الدور المنتظر للاحتياطي الفيدرالي

قد تتفق عوائد سندات الخزانة الأمريكية مع ما يراه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أن ضغوط الأسعار مؤقتة. ولكنها قد تكون منخفضة بشكل مصطنع بفضل مجموعة من أسعار الصرف في السوق النقدية.

يمكن أن يتغير مصدر الطلب هذا أو يختفي تماماً، إذا حدث شيء ما وخرق التوازن الدقيق لأسعار الفائدة والحوافز التي تراكمت لحشد أكبر البنوك في العالم نحو شراء سندات الخزانة الأمريكية.

والجدير بالذكر، بطبيعة الحال، أن المسيرة البطيئة لمعدل فائدة التمويل نحو الصفر جعلت الكثير من المراقبين يتحدثون عن إمكانية قيام البنك المركزي الأمريكي بتغيير مقدار الفائدة التي يدفعها على الاحتياطيات الزائدة.

إذا حدث ذلك، فقد يكون لدى سندات الخزانة الأمريكية فجأة الكثير لتقوله عن التضخم.