لا يبدو أنّ أي حكومة ستولد في الأفق القريب، رغم كلّ جهود رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لتسهيل ولادتها، ورغم اجتماعات البياضة، التي رأى فيها البعض، أنّها تؤكّد أنّ رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل هو رئيس الظلّ، فيما تضمّ الإجتماعات في الواقع الخليلين، أي مستشار الأمين العام لحزب الله حسين الخليل وعضو «كتلة التنمية والتحرير» علي حسن خليل، ورئيس شعبة الإرتباط والتوثيق في الحزب الحاج وفيق صفا. فعقدة التشكيل لم تعد تقتصر على نوع الحكومة وعدد وزرائها، ولا على توزيع الحقائب، إنّما على أمرين: خشية الحريري من «تعطيل عملها» أو استقالتها، واشتراط منحها الثقة من قبل بعض الكتل النيابية، لا سيما من قبل «تكتّل لبنان القوّي» الذي لم يُسمّ الحريري للتكليف، وذلك قبل أن تتشكّل وتُعلن بيانها الوزاري. فما الذي جرى التطرّق اليه خلال الإجتماعات الأخيرة المتعلّقة بفكفكة عقدة التشكيل، والى ماذا أفضى لقاء المعاونين مع الحريري؟

مصادر سياسية عليمة أوضحت بدايةً أنّ اجتماعات المعاونين مع بعضهم بعضا وتبادل أفكار القادة والأحزاب التي يمثّلونها، هي أمر طبيعي، للتوصّل الى تقارب في وجهات النظر والإتفاق على المسائل التي لا تزال تُعرقل ولادة الحكومة. فيما تجد أنّ هناك من يسعى دائماً الى «الحرتقات»، والى حَرف الأنظار عن مضمون الإجتماعات ونتائجها. علماً بأنّه جرى خلال هذه الأخيرة التطرّق الى ثلاث نقاط أساسية هي:

- أولاً: توزيع الحقائب الذي جرى التوافق على ما نسبته 98 % منها.

- ثانياً، تسمية الوزيرين المسيحيين وقد طُرح باسيل أفكاراً جديدة لحلّ هذه العقدة.

- ثالثاً: مسألة منح الثقة من قبل «تكتّل لبنان القوي» للحكومة الجديدة، وهو شرط جديد يضعه الحريري للتشكيل.

وتقول المصادر، انّ آخر المعلومات أفادت بأنّ المعاونين أي الخليلين والحاج صفا قد نقلوا أجواء ونتائج الإجتماعات مع باسيل الى الحريري، على أن يعودوا مجدّداً الى البيّاضة للقاء باسيل للمزيد من جوجلة الأفكار. وقد وضع المعاونون الحريري في أجواء انفتاح باسيل على حلّ عقدة تسمية الوزيرين المسيحيين وعرضوا مقترحاته بهذا الشأن. غير أنّ الحريري لم يتجاوب مع أي من طروحات باسيل، على ما لفتت المصادر، وبقي متمسّكاً بما يعتبره من صلاحياته أي تسمية الوزيرين المسيحيين. وأشارت الى أنّ الحريري ينطلق في هذه النقطة، من قاعدة «المثالثة» التي يعمل على تطبيقها من خلال إصراره على تسمية الوزيرين المسيحيين، وليس من مبدأ المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين الذي تنصّ عليه المادة 95 من «اتفاق الطائف»، وهو بذلك يضع قانوناً جديداً للبلاد من دون أن يجري التوافق عليه من قبل جميع الأفرقاء.

وأكّدت المصادر نفسها، أنّ الحريري أبلغ المعاونين أنّ منح «تكتّل لبنان القوي» الثقة لحكومته الجديدة هو شرط مسبق للتشكيل، فيما تجد أوساط «التيّار الوطني الحرّ» أنّ منح الثقة للحكومة يعود الى الكتل النيابية التي تبني موقفها عادة بناءً على البرنامج الذي تقدّمه الحكومة في بيانها الوزاري. وتساءلت ما إذا كانت الثقة المسبقة المطلوبة هي عقدة جديدة ل»فركشة» الحلول المطروحة أمام الحريري لحلّ جميع العقد.

وبناء عليه، فإنّ الأجواء الإيجابية التي سادت خلال اليومين الماضيين، بدّدتها نتائج لقاء المعاونين بالرئيس المكلّف، إذ تراجع التفاؤل نسبياً، على ما عقّبت المصادر، على أمل حصول الإجتماع الجديد بين الخليلين وصفا بباسيل. فعقدة تسمية الوزيرين المسيحيين لا تزال على حالها، كون الحريري يريد أن يضمن بقاء حكومته المنتظرة الى ما بعد الإنتخابات النيابية المقبلة، وحتى الى ما بعد انتهاء العهد في حال لم يتمّ التوصّل الى انتخاب رئيس جديد، لكي تحكم البلاد بنفسها الى حين التوافق على تغيير النظام أو تعديله خلال مؤتمر تأسيسي يُعقد في لبنان أو في إحدى دول الخارج.

وبرأي المصادر، فإنّ الحريري لا يريد الاعتذار عن تشكيل الحكومة، وبالتالي لا يودّ أن يُؤلّفها كونه لا يزال يخشى من السعودية التي لا يعلم ما الذي تريده بالضبط. علماً بأنّ تقاربها من إيران لم يصل بعد الى حدّ موافقتها على مشاركة حزب الله في حكومته الجديدة. ولهذا لا يُقبل على التشكيل، لأنّه لن يتمكّن اذّاك من جلب المساعدات المالية لإنقاذ لبنان، إذا ما أصرّت الدول الخليجية على عدم تقديم المساعدات لحكومة لبنانية لا ترضى لا برئيسها ولا ببعض وزرائها.

من هنا، أشارت المصادر نفسها، الى أنّ العرقلة تقف هنا، فيما على الحريري، غير القادر على التشكيل أن يعتذر، ويترك الخيار للطائفة السنيّة أن تختار شخصيّة سنيّة أخرى لرئاسة الحكومة، ترضى عنها الدول الخليجية. وعندئذ فقط سيتمكّن لبنان من تشكيل الحكومة والحصول بالتالي على المساعدات الخارجية، لأنّه من دونها لا يُمكنه استعادة النهوض الإقتصادي والمالي والمعيشي. فما يريده الشعب اليوم هو أي رئيس حكومة يستطيع إنقاذ البلد ويعيد تنشيط العجلة الإقتصادية بواسطة المساعدات من الدول الخليجية والدول المانحة.

ولفتت المصادر الى أنّ عدم تشكيل الحريري للحكومة من شأنه إضعافه في أي إنتخابات نيابية مقبلة، وليس العكس، على ما يعتقد هو و»تيّار المستقبل»، لهذا فمن الأفضل له التشكيل وإعادة تعزيز العلاقة السنيّة- المسيحية لما فيه مصلحة البلد. وحذّرت من اعتماد الحريري على مبدأ «المثالثة» في المشاركة في السلطة خلافاً للدستور، ولاحقاً من تشكيل تحالف رباعي يسعى الى اختيار رئيس الجمهورية المقبل ليس على أساس أن يكون الأقوى أو الأكثر تمثيلاً بين المسيحيين، بل الأكثر ضعفاً وخضوعاً للأطراف الأخرى...