يجتاز الكيان الصهيوني مخاضا سياسيا غير عادي، لا يقل أهمية عن مرحلة الانتقال من عهد سيطرة حزب العمل المؤسس للدولة العبرية إلى حقبة ممتدة، ميّزتها هيمنة تكتل الليكود. وإذا كان ضروريا رصد وفهم المغزى الاقتصادي - الاجتماعي للتطورات السياسية داخل الكيان الاستيطاني الاستعماري، إلا أن ذلك لا يعفي من معاينة وفهم التفاعلات السياسية الداخلية الصهيونية على مفاصل الصراع والتوازنات المتحولة في مسار الغزوة الاستعمارية الصهيونية وراعيها الاستعماري الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، وفي ظل صعود محور المقاومة في المنطقة، وما يفرضه من تحولات ومعادلات تراكمية تجعل استقرار الدولة العبرية أشد صعوبة وأعلى كلفة، رغم انتظام المساعدة والرعاية الأميركية الغربية، وكذلك ما نشهده على صعيد التطبيع العربي الرسمي مع الكيان. وقد تكفلت تراكمات كثيرة فلسطينية وإقليمية خلال الأعوام الأخيرة بانقلاب الصورة، وأدخلت الدولة العبرية في مسار انحدار.

أولا: التحول السياسي داخل الكيان مع خروج الليكود من السلطة السياسية افتتح مرحلة سياسية جديدة، مع صعود تشكيلات وزعامات صهيونية جديدة وحدوث فكٍّ وتركيب في بنية الائتلاف الحاكم، يذكّر بمرحلة الانتقال من سيطرة حزب العمل الممتدة إلى عهد هيمنة الليكود المديد. وينبغي أن نتابع عن كثب معالم الوضع الجديد من غير أوهام. فجوهر بنية الكيان الاستعماري الصهيوني الاستيطاني، هو الوعاء الذي تسبح فيه جماعات وكتل صهيونية عديدة تلتقي على الاستيطان والتهويد وعقائد العدوان والحروب، لكن التعرّف على واقع الكيان وتحولاته شكل منذ اغتصاب فلسطين حاجة حيوية لأي جهة عربية تحرّرية معنية بالوضع العام في المنطقة عن كثب، بالنظر لمركز الكيان ودوره وارتباطه العضوي الوثيق بمراكز الهيمنة الاستعمارية الغربية المسيطرة على البيئة الإقليمية. ومن الضروري أن ندرس بدقة مغزى التحولات ومحتواها في إطار فهم علمي لواقع الكيان الصهيوني وتحولاته.

إن تلك التفاعلات ليست عمليا وتاريخيا بعيدة أو معزولة عن ميزان القوى المتحول في الشرق، والذي شهد تقدما كبيرا ونوعيا في قدرات محور المقاومة، ولا سيما مع مسار التعافي السوري، وانتقال الدولة الوطنية السورية إلى وضعية هجومية. بينما تواصل إيران مسارها الصاعد اقتصاديا وعسكريا، بعد تفكّك منظومة العقوبات في حاصل التطورات الأخيرة على ضفة الملف النووي.

ثانيا: يشهد الوضع الإقليمي حول فلسطين تحولات غير مسبوقة، وتَصاعُدُ الصدى الإقليمي للتحولات اليمنية كان في قلب قضية فلسطين، التي تمثّل ثقلا مصيريا وحاسما في رؤية وثقافة قوة فتية محاربة، هي حركة انصار الله التي استطاعت أن تحيط نفسها بشبكة وطنية راسخة من التحالفات والشراكات، تحت لواء التحرّر الوطني، واحتضان  قضية فلسطين، وتكاتف سائر قوى المقاومة على محاور الصراع العربي الصهيوني. وهذا الواقع الجديد شكّل نجدة نوعية غير مرتقبة لحلف المقاومة، وصدمة غير متوقعة لكيان العدو وحاضنيه في الغرب، والمتواطئين معه في المنطقة بجميع مصنفاتهم البائسة والخائبة من الخونة المستسلمين والعملاء.

إن جميع المؤشرات في الداخل الفلسطيني المحتل وفي مناطق الشتات تنبئ بحقبة جديدة محورها نهوض إرادة المقاومة وانبعاث فكرة التحرير، بعدما تداعت وخابت أوهام التسويات البائسة، التي خَبَت وتلاشت في الواقع السياسي العربي والفلسطيني، وفي ظل تحولات عالمية تعزّز من احتمالات تعاظم قدرات وزخم قوى التحرر والاستقلال، مما يؤشّر إلى تحولات مقبلة في المنطقة ليست في مصلحة الكيان الاستعماري الاستيطاني أو الهيمنة الاستعمارية الغربية في الإقليم. ومن المنطقي والطبيعي أن تشدّ تلك التفاعلات الموضوعية من خناقها على كيان العدو، وتهزّ تماسكه السياسي، وهو ما تجسّد بمخاضٍ اقتحم نسيج الحركة الصهيونية ومعادلات تشكّل وانبثاق النخبة الصهيونية الحاكمة. ولا يمكن الفكّ بين أفول الليكود وانبثاق المعادلات والتوازنات الجديدة على صعيد البيئة الإقليمية. فما يجري اليوم في الكيان ليس تحوّلا سياسيا معزولا، ودائما كان تراتب الكتل والزعامات الصهيونية وهياكل الدولة العبرية متصلا بمجريات الصراع في المنطقة ومساراته والتوازنات التي تحيط بها أو تنبثق عنه.

ثالثا: مما لاشك فيه أن التحولات السياسية في واقع الكيان الصهيوني ومعادلات الصراع الإقليمي العام تترابط وتتداخل، كما تبيّن التجربة التاريخية منذ اغتصاب فلسطين عام 1948، وعلى مفارق الحروب ومفاصل الصراع. وينبغي أن يوضع في حساب أي تحليل علمي حصيف ما راكمه محور المقاومة والتحرّر من تغييرات في البيئة الإقليمية منذ عقود، وصولا إلى ما نشهده ونتوقعه في سورية ولبنان والعراق واليمن وإيران، مع توافر مؤشرات تراكمية لمدى إدراك قيادات هذا المحور لقدراتها، ووعيها لذاتها ولواجباتها نحو فلسطين وقضية شعبها، وما تظهره من حميّة واستعداد للتضحية، وما تعدّه من مفاجآت للحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي. وهذا التحوّل الحاسم يفتح مسارات غير مسبوقة في التاريخ المعاصر لشعوب الشرق، التي تطرق أبوابها تحولات وتغييرات مذهلة وصادمة وغير مسبوقة اقتصاديا وسياسيا وعسكرية.

الزلازل القادم بموجاته إلى سائر انحاء المنطقة يؤشر إلى تصدّع الهيمنة ومنظوماتها وتخلخل ركائزها، وهو ما يعني خسارة الكيان المعادي لدعائم استمراره وتسيّده وتغوّله في الشرق، وليس من المبالغة أبدا استنتاج أن عصر الأفول الصهيوني يقترب، وتتراكم مقدماته ومحفّزاته منذ دخول الدولة العبرية عهد الهزائم والفشل والانكسارات، الذي بدأ مع هروب الغزاة مكرهين من لبنان تحت ضربات المقاومين الأبطال، وعززته معادلات الردع التي تطورت وتبلورت مع تعاظم قوة محور المقاومة، الذي زاد زخما وقوة بالحدث اليمني السعيد. إننا نستند في هذا الاستنتاج إلى حساب واقعي وبارد للتوازنات والتحولات، والغد لناظره قريب.