من حائط المبكى في القاهرة الى حائط المبكى في نيويورك . هذه هي أحوال العرب. لكأن صرخة النيل، النيل الجريح ( لمن يعرف ماذا يعني بكاء الأنهار)، لم تهزنا.

منذ ألف عام مات فينا كل شيء حتى البكاء على أبواب غرناطة!

المجلس الوزاري العربي، وبلهجة عنترة بن شداد، قرر دعم مصر، وبنقل قضية سد النهضة، على صهوة الخيول، الى مجلس الأمن الدولي، كما لو أن قرارات المجلس لم تكن  طعاماً للفئران. عبثاً نحاول انتزاعها من  الفئران.

صرخة النيل، وما أدراك ما النيل (مسافر زاده الخيال أم مسافر زاده التاريخ ؟). أين صرخة مصرتزلزل الدنيا، وتزلزل عظام آبي أحمد، بدل اللجوء الى تلك «التخشيبة» التي تدعى جامعة الدول العربية ؟

ثانية، هل مصر تعاني من نقص في خبراء السدود، وهل الأجهزة المصرية، ولطالما عرفت بالحرفية، لم تلاحظ، بعدما كانت الخرائط  تتنقل من دولة الى دولة، ومن مؤسسة الى مؤسسة، بحثاً عن التمويل الذي تشارك فيه دول شقيقة، أن السد يشكل تهديداً للأمن القومي المصري، وحتى للوجود المصري ؟

أصحاب المعالي وزراء الخارجية رأوا في السد  تهديداً لتلك الكوميديا التي تدعى الأمن القومي العربي. متى، أيها السادة، كان هناك أمن قومي عربي ؟

كما لو أن الاحتلال العثماني (والأميركي) لأجزاء من سوريا، والعراق، ليس تهديداً للأمن القومي العربي. كذلك الاحتلال الاسرائيلي لمرتفعات الجولان، وللضفة الغربية، وللقدس، ولمزارع شبعا، ناهيك عن الحصار البربري لغزة، لا يهدد الأمن القومي العربي...

أين هو الأمن القومي العربي حين نكون تحت سلطة الجنرال كينيث ماكنزي بعقلية القرن التاسع عشر والذي لا يرى فينا أكثر من قهرمانات في البلاط الأميركي ؟ لا تتوقعوا تغييراً في المشهد. باقون هكذا الى قيام الساعة. هذا اذا لم نأخذ برأي أدونيس القائل اننا أمة في الطريق الى الانقراض.

لسنا من عشاق الصراع الدموي، لهذا لا نقول بالحرب على أثيوبيا . نعلم ما هي التكلفة البشرية، والمادية، كما أن الحرب تحتاج الى امكانات عملانية، ولوجيستية، هائلة  بفعل المسافة، وأيضاً بفعل التضاريس. اسرائيل، بضباطها، ومستشاريها، واسلحتها، موجودة في «مملكة يهوذا» شقيقة «مملكة اسرائيل» اذا ما عدنا الى كلام الأمبراطور هيلاسيلاسي.

أيضاً، جيوشنا بنيت على فلسفة داحس والغبراء. لا نحارب الاسرائيليين، ولا نحارب الايرانيين، ولا نحارب الأتراك، ولا نحارب الاريتريين (حين احتلوا جزراً يمنية)، ولا قبل لنا بالحرب ضد الأحباش. العرب لا يحاربون سوى العرب . انها لعنة يعرب بن قحطان...

الجنرالات العرب، بالأوسمة المكدسة على الصدور (أين منها أوسمة مونتغمري، وماك آرثر، وحتى يوليوس قيصر !!)، لا يقاتلون، ويقتلون، سوى بني قومهم . ضابط أردني كبير قال لنا «بتنا نخجل من بنادقنا».

آبي أحمد يعلم أننا أهل القول لا أهل الفعل. للتو رفض قرار جامعة الدول العربية، وأكد المضي في المرحلة الثانية من خطة ملء السد. منذ البداية يلعب بأعصاب المصريين والسودانيين. لا شك أنه فوجئ بأحمد أبو الغيط يستيقظ من سباته. برقصة هز البطن يتقدم الجحافل الزاحفة الى أديس ابابا. البعض يتذكر طربوش «أبو العبد» وخيزرانة «أبو العبد» في ملهى الباريزيانا.

الأثيوبيون، بالرغم من تنوعهم الاتني والطائفي، معبأون قومياً حول سد النهضة. رئيس وزرائهم يريد بناء ألف سد على مجرى النيل الأزرق. هؤلاء زرعوا أكثر من 350 مليون شجرة في يوم واحد. في لبنان، حتى العصافير تبكي غاباتنا التي موتها لكأنه موت الدهر.

كلنا جاهزون للقتال الى جانب مصر، مصر أهلنا وملاذنا، حتى وأن ابتعدت وابتعدت لتبدو كما لو أنها في كوكب آخر. لا صوت ولا دور...

أيها المصريون الأعزاء، اذا كنتم تراهنون على مروءة العرب، ما عليكم سوى أن تعودوا الى مرثيات الشيخ امام وترددوا : أه ... يا عبد الودود!!