كيفما سرت في بيروت وفي اي وقت تجولت في ربوع هذا اللبنان تراه من بعيد وتسمع صوته بل صراخه وضجّته وفوضويته وتشم رائحة عنجهيته وتلمس اذلاله. تسير وبالرغم من كل ما تعيشه وتعانيه تتمنى ان تحظى ببضعة امتار تكرّس فيها ما تراه عيناك وما تسمعه اذناك وما يستنذف طاقتك.

نعم انه طابور الذلّ، بل اكثر هو ذيل الذلّ، لا يهمه شيء لا السيارة ولا من فيها لا نوعها ولا تاريخ صنعها ولا لونها ولا حجمها وحتى لا يرى من يقودها!

انه «عادل في توزيع ذلّه» انه اشتراكي بامتياز لا يعير اهمية الى الاشخاص لا من قريب ولا من بعيد.

انه «نظامي» الى حدّ معيّن، اعني على المواطن الصالح لكن هناك استثناءات «وتظبيطات» للنوع الاخر النوع الذي يساهم في ذلّك اكثر واكثر.

يسير بك الموكب - ويا ليته موكب عزاء لكان اشرف واصدق واقدس- خطوة خطوة على مهل كي تتهنّى بهذا الذل وتتمتع بهذا العار.

لا ادرى مشاعري مضطربة ويخالجني شعور انكسار وندم مدميّ ينتابني وقرف من ذاتي يمتلكني وخجل من قراراتي يهزني وضميري يؤنبني!

ساعتان مضت وانا في صراع مع نفسي اكتب المقال، كل الماضي الذي عشته كان امام عيني كان معي عندما آمنت بهذا الوطن وصدّقت الشعارات الوطنية التي لها استسلمت وتراءى لي مستقبلي الباقي ومستقبل اولادي وبدأت اسأل ذاتي وانا قبطان سفينة عائلتي الى ايّ اتجاه اقود السفينة؟ وماذا عساي ان افعل لمواجهة الامواج العاتية؟

ما هو القرار الصائب نبقى هنا او نهاجر؟

وبينما انا غارق في تفكيري وتحديد مصيري سمعت صوتا يناديني: تقدّم يا استاذ وافتح غطاء»البنزين» ففعلت على الفور وقلت للعامل «فوّلا من فضلك» فسمعت ضحكة عالية مبكية من قبله فقلت له الا يحق لي ان املأ خزان الوقود؟ فردّ عليّ بحزم كأنه قاضي القضاة قائلا :»بس بـ 30 الف» قبلت عرضه وغادرت المكان وانا في صمت رهيب لم اعش هكذا لحظات وانا وحدي من قبل فظهر لي موقف قديم من صفحات التاريخ الغابر، عندما كنت ولدا صغيرا برفقة ابي رحمه الله نشتري الخبز وكنا يومذاك إبّان الحرب الاهلية واقفين في طابور مماثل لم انس طعم مرارته وذلهّ حتى الآن.

رحمك الله يا ابي ورحم الله كل الاباء الشرفاء الذين غادرونا لم ندر عندما كنا صغارا كم عانيتم لتحصيل لقمة عيشنا وتأمين الوقود اللازمة وكم ذلّكم اباء هذه المنظومة الفاسدة .وها نحن الان نعيش مع ورثتهم وازلامهم وابنائهم، لا شيء تغيّر، قيادات قتلتنا وسرقتنا وذلّتنا في الحرب وها هي تعيد الكرّة في «السلم».

هل هذا هو قدرنا؟ هل الله عزّ وجل يسمح بحصول كل هذا الظلم؟ هل مصيرنا العذاب من المهد الى اللحد؟

اسئلة كثيرة تراودني وصور قديمة جديدة تبتلج لي ومشاعر مضطربة تنتابني، مزيج من الحسرة والألم والندم والرضى بمكان ما والاخطر من ذلك صراع البقاء ممزوج بصراع الهوية والقومية اللبنانية.

لا ادري كيف وصلت الى المنزل وكم استغرق الوقت وكم بقي من الوقود المذل الذي عبأته في خزان سيارتي!

نحن نعيش في كنف عصابة تتناتش ما بقي من الجبنة في ظلّ ذئاب تنهشنا ونحن احياء. نحن نواجه كرتيلات الذل والارهاب لا بل اكثر نحن رهائن منظومة فساد لا عرفها التاريخ المعاصر ولا تاريخ اي قبيلة في مجاهل افريقيا ولا حتى عرف بها البدو الرحّل.

يحارب المواطن اللبناني اعتى منظومة فساد على المستوى العالمي، وبشهادة كل المنظمات الدولية، انه يحارب دولة فاسدة حتى العظم ويواجه فاسدين في السليقة. وفي المقابل تجند هذه «الدولة العصابة» كل طاقاتها للحفاظ على دهاليز اقبيتها العتيقة حيث يعشعش الفساد وينمو ويكبر.

هذه الاقبية التي اوت ميليشيات الماضي «الاحمر»وصهرت في زواريب وزاراتها ودوائرها ومجالسها وصناديقها كل زعران الحرب الاهلية والماضي الغابر وطعّمتها فيما بعد بجوعى المراكز والمناصب وآكلي الجبنة والوصوليين.

في الختام وفي لحظة الحقيقة المرة نسأل:

هل نحن مساهمين فيما نحن عليه الآن في هذا الوطن المخطوف؟ ام نحن ضحايا نظام بائد؟

هل نحن نجني ما اقترفت ايدينا؟

هل ما زال باستطاعتنا ان نغيّر؟ هل هناك بصيص امل؟

ماذا لو لم ننجح؟ ما هو مصير هذا الوطن النازف؟

ما هو مصير اولادنا؟ هل يرحمنا الله؟!؟

اقول في الختام ارحموا من في الارض يرحكم من في السماء.