كليمنت ميترنيخ، نجم مؤتمر فيينا (1815) وصف المفاوضات بأنها «الأداة المخملية لتبادل التنازلات في الداخل، ولو على قرع الطبول في الخارج». هنا تظهر معادلة «رابح رابح» التي يفترض ألا تكون الوجه الآخر لمعادلة «خاسر خاسر»!

المشكلة في المفاوضات الراهنة أن فريقي النزاع تحت الحصار المجهري من أصحاب العيون المسننة في «الدولة العميقة». من هنا كان قول بونيت تالوار الذي شارك في الاتصالات السرية السابقة بين واشنطن وطهران، أن المفاوضات تجري برؤوس الأصابع، وربما برؤوس الأظافر، لأن البديل اما السقوط الدراماتيكي في الداخل أو العودة الى المأزق، بكل الاحتمالات التراجيدية للمأزق...

تالوار يخرج بهذا الاستنتاج المثير «لكأننا أمام حرب طروادة، ولكن بالقفازات الحريرية. المفارقة هنا أن الوفد الايراني يتهم في بلاده بأنه يذهب أكثر من اللزوم في المنحى البراغماتي، والوفد الأميركي يتهم بالذهاب أكثر من اللزوم في المنحى الايديولوجي».

للروس، بأعصاب الدببة القطبية، رأيهم الذي يتردد في الأروقة الديبلوماسية. الوصول، بأي ثمن، الى الضوء الذي في آخر النفق. من هنا وصف الدور الذي يضطلع به ميخائيل بوليانوف، رئيس الوفد الروسي، بـ «الوضوح الخلاق» كنقيض للنظرية الكيسنجرية حول «الغموض الخلاق». أكثر من مرة تمكن من اخماد الحرائق داخل الردهة ليعود التفاؤل الى المسار العام للمفاوضات.

الانتخابات الرئاسية في ايران جعلت عباس عراقجي يبدو وكأنه يخوض، شخصياً، «صراع البقاء». ألم تتحدث «الواشنطن بوست» عن «مفاوضات الجلجلة». من سيعلق في نهاية المطاف على الخشبة؟

الروس يشددون على هدم الجدار لأن الفشل يعني الكارثة للايرانيين، وأكثر بكثير من الأميركيين الذين ما زال لديهم الكثير من حجارة الشطرنج في المنطقة.

هذه المرة، لا يوجد، وبدور الأفعى، وزير الخارجية الفرنسية السابق لوران فابيوس الذي تحوّل من اليهودية الى الكاثوليكية، في رهان عبثي للوصول الى الاليزيه، ولكن ليصبح أكثر يهودية من شايلوك في رائعة وليم شكسبير «تاجر البندقية».

الأوروبيون يصفونها بـ «مفاوضات القرن» لأنها تضع الشرق الأوسط أمام مسار مختلف بعدما احترف، منذ الأزل, صناعة الأزمات المستحيلة، بفعل التداخل العشوائي بين اللاهوتي والقبلي، وبين التاريخي والايديولوجي، حتى أن هنري كيسنجر وصف الصراع في المنطقة بالصراع بين نصف الله والنصف الآخر!

دور الروس هو الأكثر ديناميكية، والأكثر تأثيراً. نصيحتهم لأصدقائهم الايرانيين «لا تدعوا بايدن يقع بين براثن الذئاب». اذا كانت رؤيته الاستراتيجية تتمحور حول الانسحاب التدريجي من «مصائب الشرق الأوسط»، هذا لا يعني أن الأبواب ستكون مشرعة أمام آيات الله...

واذا كان العراق، بتلك التركيبة الفسيفساء الهشة، وبتلك القيادات الرثة، الأرض المثالية للعب التكتيكي، أين هي مصلحة ايران في أن تتحول بلاد الرافدين الى حطام، مع ادراكها بأنها مثلما هي موجودة هناك، الأتراك والسعوديون موجودون أيضاً.

حتى ورقة اليمن لم تعد صالحة للاستعمال. تجربة مأرب كانت صادمة للحوثيين بعدما راهنوا على دخول المدينة خلال أسابيع. عدد قتلاهم في هذه المعركة، وكانت الغاية منها تعزيز موقعهم التفاوضي، فاق عددهم في أي معركة أخرى، ليغطوا ما حدث بتلك الكمية من المسيرات التي يبدو أن مهمتها تقتصر على هز الأعصاب.

اذ تنشط المؤسسة اليهودية لتفجير ردهة المفاوضات، يبدي الروس توجسهم من أي محاولات لبرمجة الفوضى الأفغانية ضد ايران بالذات، وبعدما نشرت «وول ستريت جورنال» تقريراً استخباراتياً يتوقع سقوط السلطة هناك بيد «طالبان» بعد ستة أشهر من الانسحاب الأميركي.

الأكثر حساسية من كل ذلك، خشية الكرملين على ايران من التفاعلات الاقتصادية، والأمنية، لفشل المفاوضات. ديفيد ماكوفسكي، المساعد السابق لدنيس روس، يرى أن الفشل ـ وهذا ما يتمناه ـ هدية يهوه الثانية الى «اسرائيل»...