الشعب اللبناني لن يبقى وحيداً والضغط سيبدأ لتشكيل الحكومة

بدأت دول الخارج «المعنيّة» بالأزمة السياسية في لبنان، تعترف بانّها لم «تضغط» حتى الآن بما فيه الكفاية، لكي يتمّ تشكيل الحكومة المنتظرة.. وفي ذلك اعتراف ضمني منها عن أنّ حلّ الأزمة اللبنانية لم يكن من ضمن أولوياتها حتى البارحة.. وجاء هذا التأكيد على لسان وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان والأميركي أنطوني بلينكن خلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقداه في باريس الجمعة الفائت. فقد أكّد لودريان أنّ «فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ستعملان معاً للضغط على المسؤولين عن الأزمة التي يغرق فيها لبنان منذ أشهر عدّة»، فيما أكّد بلينكن أنّ «الشعب اللبناني يُطالب بإنهاء الفساد الذي تُمارسه الطبقة السياسية»، مضيفاً «نحن مستعدّون للتغيير ونبحث عن قيادة حقيقية في بيروت».. فهل ستضع كلّ من واشنطن وباريس ثقلهما لتسهيل تشكيل الحكومة في وقت قريب قبل حصول الإنهيار الكامل، أو قبل «زوال لبنان»، على ما حذّر لودريان مرّات عدّة، في تصريحاته الأخيرة؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة أكّدت لـ «الديار» أنّه من الواضح أنّ الأزمة اللبنانية لم تكن في الأشهر الأخيرة تدخل ضمن أولويات الدول الأجنبية لا سيما منها أميركا. فالمبادرة الفرنسية أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ أيلول الفائت، وترك تنفيذها في عهدة المسؤولين اللبنانيين الذين لم يفوا بتعهّداتهم والتزاماتهم لهم، على ما أعلن في وقت لاحق. ويبدو من خلال تصريحات وزيري خارجية فرنسا وأميركا الأخيرة خلال مؤتمرهما الصحافي أنّ الأزمات ليس فقط في لبنان، بل وأيضاً في دول المنطقة والإقليم ستُصبح من ضمن أولويات هاتين الدولتين خلال الأشهر المقبلة، لا سيما إذا ما نجحت الولايات المتحدة في عودتها الى «الإتفاق النووي الإيراني مع مجموعة الخمسة زائد واحد»، على ما كان عليه قبل خروجها منه في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

وصحيح بأنّ «محادثات فيينا» تتعلّق بشكل خاص بهذا الإتفاق ولا تتطرّق الى عناوين أخرى تخصّ أزمات دول المنطقة، إلا أنّه لا بدّ من أن تنعكس نتائجها الإيجابية على أزمات المنطقة، ولا سيما على الأزمة اللبنانية. فحصول هذا الأمر من شأنه «فكفكة» العرقلة التي تحول دون تشكيل الحكومة الإنقاذية حتى الآن، والبدء بتحقيق بعض الإصلاحات المطلوبة لإعادة الحياة للوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي ولأزمة المحروقات والإرتفاع الجنوني لسعر الدولار الأميركي في السوق السوداء الذي لامس السبت الـ 18 ألف ليرة لبنانية.

وأشارت الأوساط نفسها الى أنّ اعتراف كلّ من واشنطن وباريس بأنّهما لم تضغطا حتى الآن كفاية على المسؤولين اللبنانيين لتسهيل تشكيل الحكومة، هو أمر إيجابي يحمل إشارات جديدة عن إمكانية تحرّكهما في وقت قريب في اتجاه هؤلاء المسؤولين. أمّا قول لودريان بأنّه يعرف من هم الذين يتسبّبون بالأزمة من دون أن يُسمّيهم، فيُعتبر مشابهاً لمسألة العقوبات الأوروبية التي يجري التلويح بها، من دون اتخاذ أي قرار بشأنها، أو حتى بتسمية الشخصيات التي تطالها هذه الأخيرة. ومن هنا، فإنّ لودريان يُحاول مرّة أخرى هزّ العصا، علّ المسؤولين المعرقلين يتنازلون عن بعض المطالب لمصلحة الوطن وأبنائه.

وما هو واضح حتى الآن، بحسب رأي الأوساط الديبلوماسية ذاتها، هو أنّه لن يكون هناك أي مبادرة جديدة في اتجاه لبنان تُضاف الى المبادرة الفرنسية المدعومة أساساً من الولايات المتحدة، بل تفعيل لها لا سيما مع تغيّر المعطيات الإقليمية والدولية، المنتظر في غضون الأشهر المقبلة. علماً بأنّ مبادرة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي تنبثق من المبادرة الفرنسية، وقد أكّد على استمراريتها رغم كلّ ما حُكي عن توقّفها وعن فشلها.

أمّا كيف ستُحدث كلّ من واشنطن وفرنسا التغيير الذي يُطالب به الشعب اللبناني من خلال إنهاء الفساد الذي تُمارسه الطبقة السياسية، على ما قال بلينكن، فتُجيب الأوساط عينها بأنّ دول الخارج لا سيما واشنطن وباريس لا تزالان تبحثان عن «قيادة حقيقية في بيروت»، على ما لفت وزير الخارجية الأميركي. وهذه القيادة لم تجدها بعد، لأنّ «انتفاضة 17 تشرين» لم تتمكّن من استيلادها، على ما كانت تطمح بلاده. ولهذا فإنّ رهانهما على إيجاد هذه الطبقة، بعد فشل الإنتفاضة في خلق قيّاديين بارزين بدلاء عن القادة الحاليين، في صناديق الإقتراع فقط.. وعلى هذا الأساس نجدهما يُشدّدان على ضرورة إجراء الإنتخابات النيابية المقبلة في موعدها، وسيسعيان جديّاً من أجل حصولها بعد نحو عشرة أشهر من الآن.

أمّا تشكيل الحكومة فسيسبق هذه الإنتخابات، على ما شدّدت، ويأتي بعد أن تتوضّح معالم الصورة المستقبلية للعلاقات الأميركية - الإيرانية، ولعلاقات فرنسا مع بعض دول المنطقة سيما وأنّ فرنسا تنوي أن تكون «الوصيّة الجديدة» على منطقة الشرق الأوسط من البوّابة اللبنانية. وعليها من أجل تحقيق هذا الهدف التوافق مع دول عدّة منها إيران وروسيا والسعودية وسوريا وسواها..

وتقول بأنّ استخدام ورقة العقوبات الأوروبية لن يفي لا بغرض تشكيل الحكومة ولا بتحقيق الإصلاحات المطلوبة، بل سيسمح للمزيد من التدهور على مختلف الأصعدة، على ما فعلت العقوبات الأميركية. علماً بأنّ إيران تشترط رفع العقوبات عنها لعودة أميركا الى الإتفاق النووي، ومن دون رفع هذه العقوبات فسيكون هناك صعوبة أن تقبل طهران بهذه العودة. من هنا، فإنّ العقوبات لن تكون هي ورقة الضغط المقبلة، بل ورقة أخرى لم تجرِ تجربتها بعد.

وإذ تُحذّر فرنسا من الإنهيار الدراماتيكي للبنان، أو من زواله، على لسان لودريان الذي ينتقد المسؤولين فيه على عدم قدرتهم على مواجهة أي تحدّ والشروع في أدنى بداية للتقدّم لإصلاح هذا البلد، ترى الأوساط نفسها بأنّ هذا الأمر سيجعل المبادرة الفرنسية تُفعّل وتُنفّذ بما يُمكن، وليس بما تطمح إليه فرنسا وأميركا، وذلك بهدف وقف الأزمة اللبنانية التي تُعدّ الأسوأ في العالم منذ العام 1850 وفقاً للبنك الدولي سيما وأنّ الليرة اللبنانية فقدت 90 % من قيمتها، حتى الآن، مقابل ارتفاع سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء، وهذا الأمر مرشّح للإستمرار في حال لم تتألّف الحكومة وتقوم بتنفيذ خطة إقتصادية واضحة للإنقاذ السريع.

كذلك فإنّ اللبنانيين الذين بات أكثر من نصفهم يعيش تحت خطّ الفقر، بحسب التقرير الأخير للأمم المتحدة، فلن يقفوا ساكتين. ولا بدّ لهذا الغضب من أن ينفجر مجدّداً في الشارع، ليس بهدف إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، بل لتشكيل الحكومة والقيام بالإصلاحات الضرورية الإنقاذية للوضع ككلّ. فبمجرّد تأليف الحكومة الجديدة، على ما لفتت الأوساط عينها، فإنّ سعر الدولار الأميركي سينخفض الى النصف. وفي حال بدأت بالإصلاحات وباستعادة ثقة المجتمع الدولي بها، وكذلك ثقة الشعب اللبناني، فإنّ الأموال ستبدأ بالتدفّق اليها سريعاً.

وطمأنت الأوساط الديبلوماسية الى أنّ فرنسا وواشنطن، بحسب المعلومات، ستتحرّكان للقيام بما في وسعهما خلال الأسابيع المقبلة مع شركائهما مثل بريطانيا والشعب اللبناني لمنع حصول الإنهيار الحقيقي. فكلاهما يقدّران ما آل إليه الوضع اللبناني عندما تُركت الدفّة للمسؤولين فيه لإنقاذ الباخرة من الغرق. ولهذا، فإنّ التدخّل السريع بات أمراً ملحّاً لعدم حصول الإنهيار الكلّي، سيما وأنّهما يريدان تنشيط العلاقات في المنطقة ودفع الأمور قُدماً نحو الإزدهار. فالحلّ لا يزال غير قائم، ولهذا ستتضافر الجهود الأميركية والفرنسية للقيام بتنفيذ المبادرات الضرورية لحلّ الوضع المتأزّم وعدم ترك الشعب اللبناني وحيداً يبحث عن البدائل الفعّالة لاستمراريته وضمان عيشه.