خاص الديار

البابا فرنسيس: جدوا حلولاً عاجلة.. وكفى استخدام لبنان والشرق الأوسط لمكاسب خارجية

أنظروا الى أحلام الشباب ولتتوقّف العداوات ولتغرب النزاعات فيعود لبنان إشعاعاً لنور السلام

تحت العنوان الذي استلهمه البابا فرنسيس من النصّ الإنجيلي من سفر النبي إرميا (إرميا 29: 11-14) الذي يقول إنّ «الرب الإله لديه مشاريع سلام»، وأضاف إليه عبارة «معاً من أجل لبنان»، مزيّلاً بتمثال سيّدة حريصا تُظلّله شمس الأمل متّشحةً بأرزة الخلود، شهد الفاتيكان أمس الخميس يوماً تاريخياً غير اعتيادي هو «يوم التأمل والصلاة من أجل لبنان».. الغارق في أزمة إقتصادية ومالية وإجتماعية خانقة صنّفها البنك الدولي على أنّها من بين الأكثر شدّة منذ العام 1850، وزادها تفاقماً ما خلّفه انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي من مآسي ومعاناة طالت سكّان بيروت والمناطق المحيطة. وقد جمع هذا اللقاء الأب الأقدس برؤساء الطوائف المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية في لبنان، وجاء نتيجة مسار عمره ثلاثين سنة من اهتمام باباوات الكنيسة الكاثوليكية ببلاد الأرز.

ووجّه البابا فرنسيس رسائل في اتجاهات عدّة. فقال للبنانيين الذين يُعانون في هذه اللحظات الصعبة: «تميّزتم على مرّ القرون، حتى في أصعب اللحظات، بروح المبادرات والإجتهاد. نناشدكم جميعاً ألا تيأسوا ولا تفقدوا روحكم. إبحثوا في جذور تاريخكم عن الرجاء لتُزهروا وتزدهروا من جديد». وطلب من لبنانيي الشتات أن يضعوا أفضل الطاقات والموارد المتوافرة لديهم في خدمة وطنهم.وحذّر السياسيين: «كلّ من في يده السلطة فليضع نفسه نهائياً وبشكل قاطع في خدمة السلام لا في خدمة مصالحة الخاصّة. كفى أن يبحث عدد قليل من الناس عن منفعة أنانية على حساب الكثيرين. كفى أن تسيطر أنصاف الحقائق على آمال الناس. كفى استخدام لبنان والشرق الأوسط لمصالح ومكاسب خارجية. يجب إعطاء اللبنانيين الفرصة ليكون هناك مستقبل أفضل على أرضهم، وبدون تدخّلات لا تجوز»، وقال لهم: «لتجدوا حسب مسؤولياتكم حلولاً عاجلة ومستقرّة للأزمة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية الحالية، وتتذكّروا أن لا سلام بدون عدل».

كما وجّه رسالة للمجتمع الدولي فقال: «وأنتم أعضاء المجتمع الدولي بجهدٍ مشترك وفّروا للبلد الظروف المناسبة حتى لا يغرق، بل ينطلق في حياة جديدة، سيكون ذلك خيراً للجميع». ودعا المسيحيين الى أن يكونوا»زارعي سلام وصانعي أخوّة»، والى تنمية نظرة الرجاء في المستقبل. وقال: «نحن نؤمن أنّ الله يدلّنا على طريق واحد فقط في مسيرتنا، هو طريق السلام، لهذا نؤكد لأخوتنا وأخواتنا المسلمين وجميع الديانات الأخرى، على الإنفتاح والاستعداد للتعاون لبناء الأخوّة وتعزيز السلام». وتمنّى أن تنجم عن هذا اليوم «مبادرات عملية في إطار الحوار والالتزام التربوي والتضامن». وطالب قبل اتخاذ القرارات النظر الى أحلام الشباب وعيون الأطفال لأنّ بيدهم المستقبل، والى الاستماع للمسنين الذين يريدون أن يحلموا مجدّداً، والى مساندة المرأة وتعزيز دورها في المجتمع للمشاركة في صنع القرار. وطالب بوقف العداوات والنزاعات ليعود لبنان إشعاعاً لنور السلام.

جاء ذلك في الكلمة الخامية لقداسته التي تلاها في اختتام «يوم التأمّل والصلاة على نيّة لبنان» خلال الصلاة المسكونية التي أقيمت مساء أمس في بازيليك القدّيس بطرس في الفاتيكان. وكان بابا الفاتيكان أكّد في وقت سابق، أنّه يرغب في زيارة لبنان، لكنّه يريد من الساسة المتناحرين الإتفاق على تشكيل حكومة جديدة.


في قلب الفاتيكان

وكان لبّى دعوة البابا فرنسيس الى المشاركة في يوم لبنان في الفاتيكان تسعة قادة روحيين في لبنان، 5 كاثوليك بدلاً من 6 لأنّه بعد وفاة بطريرك الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في لبنان غريغوار بيار العاشر غابرويان في 25 أيّار الفائت لم يتمّ انتخاب خلفاً له، 3 أرثوذكس و1 بروتستانت، هم البطريرك الماروني لأنطاكية وسائر المشرق الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مطران بيروت للكلدان ميشال قصارجي، النائب الرسولي للاتين في بيروت المطران سيزار آسيان، بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي، بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس آرام الأول كيشيشيان، بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية اغناطيوس افرام الثاني، ورئيس المجلس الأعلى للطائفة الإنجيلية في لبنان وسوريا القسّ جوزف قصّاب.

وكان غرّد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون صباح أمس على حسابه عبر «تويتر» قائلاً: «اليوم (أمس) يُشارك العالم قداسة البابا فرنسيس الصلاة والتأمّل من أجل لبنان. دعونا معاً، مسيحيين ومسلمين، أن نوطّد قيم الحقّ والعدالة والتوازن والإحترام المتبادل التي تُرسّخ وحدتنا الوطنية، فنُعيد معاً لوطننا رسالته الفريدة في العيش المشترك، في محيطه والعالم».

جلسات النقاش

وكان البابا فرنسيس استهلّ المحطة الأولى من «لقاء التأمّل والصلاةمن أجل لبنان» أمس عند الثامنة والنصف بتوقيت روما (التاسعة والنصف بتوقيت بيروت) بإلقاء التحيّة على ضيوفه رؤساء الكنائس في لبنان المشاركين في اللقاء في بيت القدّيسة مارتا في الفاتيكان. ثمّ توجّه قداسته وقادة الطوائف المسيحية اللبنانية «سيراً على الأقدام» الى بازيليك القديس بطرس حيث عُقدت «وقفة صلاة» وتلا الجميع صلاة «الأبانا» التي استهلّها قداسته باللغة العربية، وتأمّلوا لفترة وجيزة. ثمّ صلّوا أمام قبر القدّيس بطرس الكائن في الطابق السفلي تحت المذبح الرئيسي في وسط البازيليك، وأضاء كلّ من المشاركين شمعة على نيّة نجاح هذا اليوم، وتحقيق «عطية السلام».

عند العاشرة بدأت الجلسة الأولى من المشاورات المُغلقة في قاعة كليمنتينا في القصر الرسولي بين البابا فرنسيس ورؤساء وممثلي الكنائس في لبنان، في حضور الأساقفة المرافقين للقادة الروحيين.كما حضر أمين سرّ دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردي ساندري، ووزير خارجية الفاتيكان المونسينيور بول ريتشارد غالاغر. تلتها استراحة عند الحادية عشرة و5 دقائق.


وعُقدت الجلسة الثانية عند الحادية عشرة و20 دقيقة. ثمّ توجّه البابا فرنسيس والقادة الروحيون عند الواحدة الى الغداء في بيت مارتا. وعند الرابعة والنصف من بعد ظهر أمس، عُقدت الجلسة الثالثة والأخيرة من المشاورات.

وتقول أوساط عليمة بأنّه خلال جلسات العمل الثلاث هذه، التي أدارها السفير البابوي في لبنان جوزف سبيتيري،ناقش المجتمعون مع قداسته، كلّ بحسب الورقة التي حملها معه الى الفاتيكان الأوضاع اللبنانية والهواجس والإمكانات لإيجاد مخرج معيّن من الوضع المتدهور الذي يعيشه لبنان. وتمحورت الملفّات حول الأوضاع الإنسانية والإجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب اللبناني بهدف تكوين رؤية موحّدة سيحملها البابا فرنسيس لاحقاً في إطار متابعة اللقاء الى المجتمع الدولي لإيجاد الحلّ المناسب للخروج من الأزمة الراهنة.

كما ركّزت النقاشات على هجرة الشباب اللبناني وتداعيات الأزمة على المدارس والمستشفيات والعائلات والأمن الغذائي، وعلى تسبّبها بتفاقم نسبة الفقر والبطالة. وأوضحت أنّه بعد مرور 25 عاماً على الإرشاد الرسولي، الذي يحمل بُعداً روحياً وأفكاراً ونظرة الى المستقبل، فإنّ نقاط عدّة منه ستُدرس، لأنّه على الجميع إعادة تجديد الرجاء. ولا بدّ لذلك من الإنطلاق من نقطة أو مرحلة جديدة تدفع مجدّداً نحو هذا الرجاء.

المحطّة الأخيرة

عند السادسة من مساء أمس (بتوقيت روما)، توجّه البابا فرنسيس والقادة الدينيون والوفود المرافقة لإقامة الصلاة المسكونية المفتوحة من أجل لبنان، والتي تمّ نقلها مباشرة عبر شاشات التلفزة.حضرهارئيس المجلس البابوي لتعزيز الوحدة المسيحية، الى جانب السفراء والديبلوماسيين المعتمدين لبنان لدى الكرسي الرسولي.. وشارك رؤساء الطوائف التسعة بالصلوات الى جانب الأب الأقدس التي تُليت، كما التراتيل، بلغات مشرقية عدّة مثل السريانية والآرامية والكلدانية، فضلاً عن الإيطالية والإنكليزية والعربية والأرمنية. وتقدّم عدد من الشبّان والأطفال وقدّموا للأب الأقدس وقادة الطوائف مصابيح مضاءة كعلامة لأن يصبح المسيحيون نوراً في العالم، فقاموا بوضعها أمام الإنجيل المذهّب.

كلمة البابا

وألقى قداسة البابا كلمة ختامية تضمّنت ملاحظاته عمّا استخلصه من جلسات النقاش الثلاث التي عُقدت على مدار اليوم، جاء فيها: «إجتمعنا اليوم لنصلّي ولنُفكّر معاً، يدفعنا القلق على لبنان. قلق شديد إذ نرى هذا البلد الذي أحمله في قلبي وأرغب في زيارته يتعرّض لأزمة خطيرة. نحن الرعاة الذين تُسندنا صلاة شعب الله المقدّس، حاولنا في هذا الزمن المظلم التوجّه معاً الى نور الله.. وصرخة الإمرأة التي التقت يسوع، كانت بالتحديد من جهات صور وصيدا، وصرخت «أغثني يا رب»، أصبحت اليوم صرخةالشعب اللبناني المُحبط والمُنهك والمحتاج الى رجاء وسلام».

أضاف البابا فرنسيس: «بصلواتنا أردنا أن نرافق هذه الصرخة، لا نستسلم ولا نتعب من الإبتهال الى السماء لطلب السلام الذي يعجز عن صنعه الناس على الأرض. إنّنا نطلبه بإلحاح من أجل الشرق الأوسط ومن أجل لبنان، هذا البلد الحبيب، كنز الحضارة والحياة الروحية، الذي يشهد على خبرة فريدة من العيش السلمي معاً، لا يُمكن أن يُترك رهينة الأقدار أو الذين يسعون بدون رادع ضمير، وراء مصالحهم الخاصّة. لبنان بلد صغير كبير وهو أكثر من ذلك،هو رسالة عالمية، رسالة سلام وأخوّة، ترتفع من الشرق الأوسط».

وتابع: «آية قالها الله يوماً في الكتاب المقدّس يتردّد صداها اليوم بيننا، وكأنّها جواب لصرخة صلاتنا. هي كلمات قليلة يُعلن بها الله أنّ «أفكاره هي سلام لا بلوى». في أوقات البلوى، نريد أن نؤكّد من كلّ قوّتنا أنّ لبنان هو ويجب أن يبقى، مشروع سلام. رسالته هي أن يكون أرض تسامح وتعدّدية وواحة أخوّة، تلتقي فيها الأديان والطوائف المختلفة، وتعيش فيها معاً جماعات مختلفة، وتفضّل الخير العام على المصالح الخاصّة. لذلك كلّ من في يده السلطة فليضع نفسه نهائياً وبشكل قاطع في خدمة السلام لا في خدمة مصالحة الخاصّة. كفى أن يبحث عدد قليل من الناس عن منفعة أنانية على حساب الكثيرين. كفى أن تسيطر أنصاف الحقائق على آمال الناس. كفى استخدام لبنان والشرق الأوسط لمصالح ومكاسب خارجية. يجب إعطاء اللبنانيين الفرصة ليكون هناك مستقبل أفضل على أرضهم، وبدون تدخّلات لا تجوز».

وقال قداسته: «أعزّائي اللبنانيين، لقد تميّزتم على مرّ القرون، حتى في أصعب اللحظات، بروح المبادرات والإجتهاد. أرزكم العالي رمز بلدكم، يُذكّر بغنى وازدهار تاريخكم الفريد. أرزكم يُذكّر أيضاً أنّ الأغصان العالية تنطلق من جذور عميقة. تأصّلوا في أحلام أجدادكم، أحلام السلام. نناشدكم جميعاً أنتم المواطنون أن لا تيأسوا ولا تفقدوا روحكم. إبحثوا في جذور تاريخكم عن الرجاء لتُزهروا وتزدهروا من جديد.. وأنتم القادة السياسيين لتجدوا حسب مسؤولياتكم حلولاًعاجلة ومستقرّة للأزمة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية الحالية، وتتذكّروا أن لا سلام بدون عدل. وأنتم اللبنانيون الأحبّاء في الشتات لتضعوا أفضل الطاقات والموارد المتوافرة لديكم في خدمة وطنكم. وأنتم أعضاء المجتمع الدولي بجهدٍ مشترك وفّروا للبلد الظروف المناسبة حتى لا يغرق، بل ينطلق في حياة جديدة، سيكون ذلك خيراً للجميع».

تابع: «بكوننا مسيحيين نريد اليوم أن نُجدّد التزامنا ببناء مستقبل معاً لأنّ المستقبل سيكون سلمياً فقط إذا كان مشتركاً... نحن المسيحيين مدعوون لنكون زارعي سلام وصانعي أخوّة، وأن لا نعيش على أحقاد الماضي والتحسّر وأن لا نهرب من مسؤوليات الحاضر، وأن نُنمّي نظرة رجاء في المستقبل. نحن نؤمن أنّ الله يدلّنا على طريق واحد فقط في مسيرتنا، هو طريق السلام، لهذا نؤكد لأخوتنا وأخواتنا المسلمين والديانات الأخرى، على الإنفتاح والاستعداد للتعاون لبناء الأخوّة وتعزيز السلام. السلام ليس فيه غالبون ومغلوبون بل أخوة وأخوات يسيرون من الصراع الى الوحدةرغم سوء التفاهم وجراح الماضي. وبهذا المعنى أتمنّى أن تنجم عن هذا اليوم مبادرات عملية في إطار الحوار والالتزام التربوي والتضامن».

وختم: «نكرّر اليوم الكلمات المليئة بالأمل للشاعر جبران خليل جبران «وراء ستار الليل الأسود هناك فجر ينتظرنا». أعطونا بعض الشباب قبل قليل المصابيح المضاءة،الشباب بالتحديد هم مصابيح تضيء في الساعة المظلمة، ويضيء على وجوههم أمل المستقبل، ونحن جميعاً قبل أن نتخذ قرارات مهمّة لننظر الى آمال وأحلام الشباب والى عيون الأطفال المشعّة. أنوار أخرى تلمع في أفق لبنان، هنّ النساء تتبادر الى ذهني أولاً سيدتنا مريم العذراء والدة الجميع، التي تعانق بنظرتها من بلدة حريصا كلّ الوافدين الى البلد من البحر الأبيض المتوسط، يداها مفتوحتان لتستقبل آمال الجميع. النساء يجب أن يحظين بالاحترام والتقدير والمشاركة في صنع القرار في لبنان. وأيضاً المسنون الذين هم جذورنا لنستمع إليهم، إنّ لديهم الرغبة في أن يحلموا مجدّداً... فلتختفِ ليلة الصراعات وليُشرق من جديد فجر الأمل، لتتوقّف العداوات ولتغرب النزاعات فيعود لبنان إشعاعاً لنور السلام».

ثمّ سلّم قداسته رؤساء الكنائس ملفاً وجرى بذلك اختتام اليوم الفاتيكاني الطويل.

دعوات تضامنية

وكان البابا فرنسيس عشية لقاء الفاتيكان من أجل لبنان، دعا المؤمنين الى أن «يتّحدوا روحيّاً مع قادة الكنائس في لبنان وأن يُصلّوا من أجل لبنان لكي ينهض من الأزمة الخطيرة التي يمرّ فيها ويظهر للعالم وجهه، وجه السلام والرجاء». وكانت أبرز الصحف الإيطالية قد نقلت طلب الحبر الأعظم هذا للتضامن مع لبنان من خلال الصلاة. وقد واكب هذه الدعوة استنفار كنسي وروحي في جميع الكنائس في لبنان وفي بلاد الإنتشار.

 كما دعا مجلس كنائس الشرق الاوسط، في بيان، قبل ساعات من لقاء الصلاة والتأمل من أجل لبنان، إلى «الإتحاد بالصلاة مع الآباء المجتمعين على نيّة وطن الأرز». هذا وأضيئت الشموع في إيطاليا وعدد من دول العالم مساء أمس على نيّة لبنان للخروج من أزمته الخانقة.