يعيش المشرق في مناخ تداعيات ونتائج ما تعرّضت له سورية من حروب عدوان واستنزاف، وما يُفرض عليها من حصار اقتصادي وسياسي متواصل بعد فشل العدوان والغزو العسكري المباشر، وكذلك تعثّر استراتيجيات القيادة من الخلف، التي وضعت جحافل التكفير وفصائل المرتزقة والعملاء في خطوط القتال والنار، بالتناغم مع أشرس حملات الخنق الاقتصادي والشيطنة السياسية لأطول فترة زمنية عرفها تاريخ المنطقة القريب. وقد كشف التفاعل السياسي والإعلامي، في مناخ تلك الحرب، الاهتمام النوعي الظاهر بالثقل الاقتصادي لبلد، مؤهّل بحكم إمكاناته وثرواته وقوة شعبه الحيّة المنتجة الفتيّة، للعب دور ريادي نوعي في اقتصاد المنطقة، بالاستناد إلى خصائص وميزات اقتصادية وثقافية وقيم اجتماعية تعزّز الروح الكفاحية المنتجة المميزة، ومع توافر الصدفة التاريخية السعيدة بقيادة رشيدة تعتنق هوية تحرّرية تقدّمية، وتحظى بمساندة شعبية استثنائية.

أولا: يقارن العديد من الخبراء والمؤرخين بين  سورية والصين. وإن كان نهوض الصين قد أنهض محيطها  وفاض عليه بالهبات والنتائج السياسية والاقتصادية الوفيرة، فإن النهوض السوري القادم بثبات لن يقلّ فعلا وتأثيرا في شرقنا العربي، والقائد بشار الأسد، الذي يمثّل عنوان الريادة والقدرة السورية الحضارية، أكد بالإنجازات والوقائع والشواهد الحيّة، أنه يمثّل ببصيرته وعزيمته وثقافته وحكمته الصدفة السعيدة، التي تهبنا أملا وقوة كدعاة للتحرّر وحَمَلة مشروع نهضوي قومي، تمثّل سورية رافعته وطليعته الجديرة والمؤهلة، بفعل موقعها وهويتها وخصائصها وهيبتها المشعّة في الشرق الكبير.

لسنا في معرض خطاب تعبوي لاستثارة النخوة، ولتقديم جرعة  تفاؤل في زمن شديد القسوة والكآبة، بل إننا نلقي الضوء، بعقلانية وموضوعية صارمة، على حقيقة تنال مزيدا من الاعتراف حتى لو استهدفها البعض بالإنكار والجحود في قلب الوطن العربي، على غرار العِبرة التي  لخّصها المثل القائل «لا نبيَّ في قومه». وجميع تجارب التاريخ تفيض بأمثلة وشواهد عن الخيبة والندم، اللذين طمرا المنكرين والجاحدين أمام رموز وقادة خلدتهم منجزاتهم العظيمة.

ثانيا: الهوية التحرّرية القومية والتقدمية للدولة الوطنية السورية تمثل ركيزة لحصانة تاريخية، وهيبة متعاظمة في الشرق والعالم، رغم الإعصار اللئيم الذي استهدفها به الحلف الاستعماري الصهيوني وعملاؤه. ورغم قدرة هذا الحلف المعادي على مواصلة العرقلة والاستنزاف، بعد فشل العدوان وانكسار حروبه المركّبة، فإن القيادة السورية تظهر اليوم قدرة عالية وراسخة على إنهاض القدرات الوطنية وتعبئتها لالتقاط الفرص وقهر التهديدات رغم الحصار والعقوبات.

المؤشرات تدفع إلى ترجيح اقتراب انتصار هذه القلعة الصامدة وتقدمها، لتكتسب في مسارها  التاريخي مزيدا من الجاذبية والتأثير، بفضل مصداقية التحالفات وشراكات الكفاح والصمود، التي برعت القيادة في نسجها وتعميدها بالثقة والتضحيات على صعيد المشرق والعالم، ومع تحوّل تلك التحالفات السياسية والميدانية إلى بلورة التطلّعات المشتركة نحو عالم جديد، يمكن فيه للشعوب والبلدان الحرّة أن تقرع أبواب المستقبل، وتسقط جدران المنع والخنق الاقتصادي والحضاري لتطورها التاريخي. ومن قلب المعارك السورية المتواصلة تعتمل تغييرات كبرى في المنطقة. وهذا ما شرع يدركه ويتحضّر له جميع شركاء التحرّر، بينما يقضّ هذا المسار مضاجع إمبراطوريات الهيمنة والنهب في العالم، ويعيش الكيان الصهيوني، قبل سواه، بصورة أشدّ وأدهى، في رعبٍ وترقّبٍ للغد القادم بعد انتصار سورية، الذي توحي  به مؤشرات ومظاهر التحولات، التي يعرفها المخطّطون الغربيون والصهاينة بالوقائع والمعلومات.

ثالثا: الصدفة التاريخية السعيدة المتمثّلة بتفتّح قدرات إيران العملاقة وانعتاقها من العقوبات، بعد أربعة عقود من الكبح المنظّم، توفّر فرصة واعدة للحليف السوري الوفي، الذي ضحّى كثيرا في معمودية الدفاع المشرقي. وهذا العامل يرعب دوائر الاستعمار والصهيونية من خطر قوة اقتصادية عملاقة قادمة. فلو كان نموّ القوة الإيرانية محصورا في حدود بلاد فارس، بعيدا عن فلسطين والمشرق، لما شعر الصهاينة بالخطر، ولا خشي المخطّطون الغربيون وأرباب اللصوصية والنهب في العالم من طاقة التحوّلات، التي سيفرضها تفتّح بذرة مشرقية واعدة من نواة التعاون السوري - الإيراني المرشّح للتطوّر السريع والمدهش. ويمكن لمن يرصد ويتابع التفاعلات الدولية والإقليمية أن يلاحظ مقدار الخشية، التي شرعت تظهر في تعامل الدوائر الغربية والصهيونية مع هذه الحقيقة القادمة كقدر زاحف لا رادّ له، وهي البشارة السعيدة، التي زفّها السيد الخامنئي العظيم لأخوة التراب في سورية وفلسطين ولبنان والعراق واليمن. ومن حقنا أن نشعر بالمرارة والبؤس أمام تخلّف واقعنا السياسي اللبناني وعاهاته العقلية المزمنة ودورها الخطير في تفويت فرصة ثمينة.