أثناء حرب فيتنام، وصفت النجمة الهوليوودية الشهيرة جين فوندا أسوار البيت الأبيض بـ «أسوار المقبرة». كثيراً ما صرخت أمام تلك الأسوار. لا آذان للموتى؟!

بماذا، اذاً، نصف أسوار القصر، وأسوار السراي. فخامته قال لنا «أسوار جهنم». ماذا يمكننا أن نفعل، في هذه الحال، سوى أن ننتظر ما يقوله الشيطان في أحوالنا لا ما يقوله... الله.

نعلم مدى بشاعة، ومدى زبائنية، ومدى مراوغة، المنظومة السياسية التي تطبق علينا، لكننا لم نكن ندري مدى هشاشة، ومدى ضحالة، ومدى خواء، هذه المنظومة. لا داعي للثورة، ولا داعي للصراخ. ماذا يجدي أن نثور، وأن نصرخ، في وجه تماثيل الشمع. لاحظوا كيف يتعاملون مع ذلك التسونامي من الأزمات، والويلات. لكأنه ثغاء الفيلة...

بمرارة المشهد، وبهول المشهد، نقول لحزب الله أن الناس الذين وقفوا، ويقفون، الى جانبك بدقات القلب، وبكبرياء القلب، يريدون منك، وضنّا بك وبما تمثّل، أن تبتعد عن تلك المنظومة لأنها مثلما تقتل الشعب تقتل الجيش، وتقتل المقاومة، المقاومة التي هي الوجه البهي لتاريخنا المعاصر...

منذ البداية، ولأننا نعرف تضاريس الحالة اللبنانية (ومصائبها)، كنا نتمنى عدم دخول حزب الله في تلك التركيبة العجيبة (اللوياجيرغا الأفغانية)، اذ متى كان للمقاومة أن تثبت شرعيتها من عرابي المافيات، ومن أكلة لحوم البشر، لا من جراح الناس، ومن جراح التراب، وحتى من جراح الهواء؟

ندرك تماماً هواجس حزب الله،ما دامت المنطقة تدار من الغرف السوداء في واشنطن و «تل أبيب». العرب، وفي ظل أنظمة القرون الوسطى، ليسوا سوى ركاب الدرجة الثالثة في القطار. هكذا سقطنا من التاريخ. ادوار سعيد قال «لقد تقيأنا الزمن كما يتقيأ الضفادع الميتة»!

هذا الحزب هو من دحر، وأمام ذهول العالم، الأرمادا الاسرائيلية، الأرمادا العسكرية والأرمادا السياسية، وهو الذي حال دون برابرة القرن، (الآتون من قاع التاريخ، ومن قاع الايديولوجيا)، ونصب الرايات السوداء فوق القصر، وفوق السراي، ناهيك عن قبة البرلمان..

لا ريب أن هواجس الحزب ازدادت أواراً بعد تجربة حرب تموز 2006 التي لم يكشف من خفاياها حتى النزر القليل. بالأذن المجردة تناهى الينا قول قطب حزبي، ومنذ الساعات الأولى للغارات الاسرائيلية «انتظروا... قبل غروب اليوم، سيكونون في الزنزانة أو في المقبرة».

بسخرية بلهاء، سأله أحد وزرائه ما اذا كان سيبعث اليهم بسندويتشات الفلافل الى غوانتنامو. لم يتسنّ لهولاء أن يرفعوا كؤوس الشامبانيا بعدما لاحظوا بكاء الميركافا في وادي الحجير.

السيناريو كان مروعاً في زمن جورج دبليو بوش، وكل عتاة الدم في الادارة. هؤلاء كانوا يراهنون على قيام قوى محلية بخطوات خطيرة لحصار المقاومة من الداخل، ومن خلال تعبئة غرائزية بلغت ذروتها في تلك الأوقات الهائلة.

موقف الجنرال ميشال عون كان تاريخياً. الموقف الذي لا يُمكن أن ينسى، ولكن ماذا حين يُقال ان الثمن كان رئاسة الجمهورية. أكثر من مرة قلنا أن الجنرال انتهى (كجنرال) منذ أن وطأت قدماه أرض القصر.

ماذا تعني التسوية مع سعد الحريري الذي لم يقرأ ما تقوله الجدران في قصر اليمامة؟ كل ما كان يبتغيه البقاء في الرئاسة الثالثة. وماذا تعني تسوية ربع الساعة الأخير (التسوية المكيافيلية) مع سمير جعجع؟

اللبنانيون على أبواب الجحيم. قيادة الحزب تدرك ما معنى الصرخة الآن. صرخة الذين عاشوا ويلات الاحتلال وأهازيج التحرير، الذين يؤمنون بأن المقاومة مستقبل لبنان، ومستقبل المنطقة، ما دام هناك في «تل ابيب» من يريدنا أن نكون القهرمانات في حضرة الهيكل.

لا يساورنا الشك بأن الوضع الفسيفسائي في لبنان حساس للغاية، ومعقد للغاية، وقابل للانفجار. لكن من يقفون الى جانب المقاومة يعتبرون، وهم العالقون (المعلقون) على الخشبة، أن الساعة دقت للوعد الآخر. هم بانتظار الوعد الآخر. ثمة ألف وجه آخر للقهر أيها السيد السيد، وأنت تعلم...