نسأل مارتن لنغدن، الــقــائم بالأعمــال البريطاني، لماذا تنطق بنصف الحقيقة لا بالحقيقة؟

في بيان الوداع قال «في قلب لبنان شيء عفن». لا نشك أبداً في دقة هذا الكلام، وفي صدقيته. تشكيكنا في القائل، وفي هوية القاتل. ماذا يعني أن يغتسل أحد أحفاد يهوذا بالعطر الباريسي؟

في افتتانه بلبنان، بدا لنغدن كما لو أنه اللورد بايرون، الشاعر الرومانسي الأنكليزي، يتحدث عن «آلام القمر» حين رأى «أزهار الأقحوان الجريحة تحت حوافر الخيول».

يا صاحبنا الأنكليزي... لماذا لم تتكلم عن «الشيء العفن» قبل أن نزحف على بطوننا الخاوية الى صندوق النقد الدولي؟ ألم تكن الاستخبارات البريطانية، ولطالما فاخر أنطوني ايدن بأنها ترى ما يجري في العالم الآخر، تعلم ما يفعله أولياء أمرنا بنا. نحن المخلوقات التي لم نعد نصدق أننا خلقنا على أفضل صورة.

وأنت سليل الأمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، هل فاتك أن الغرب كان (ولا يزال) وراء كل الويلات في الشرق الأوسط؟ الغرب الذي ابتدع أنظمة الفساد، وايديولوجيا الفساد (كوسيلة للسيطرة) لاستنزاف ثروات الأمم، وأزمنة الأمم، وعظام الأمم، من أجل أن تحافظ «الأمبراطويات المقدسة» على بهائها؟

لنغدن لا بد أن يعرّج على حزب الله. قال ان من ضمن الأسباب التي ادت الى خراب لبنان ان «ميليشيا الحزب تعمل بحرية من دون حسيب الا نفسها».

أيها الديبلوماسي الضاحك، وهكذا كنا نراه، هل تعلم كيف وُجد حزب الله ولماذا، بعدما دأبت الديبلوماسية الغربية، والاعلام الغربي، على تصويره كما لو أنه هبط ـ هكذا ـ من كوكب آخر؟

يفترض أن يكون قد درس تاريخ الديبلوماسية البريطانية في الشرق الأوسط. على الأقل منذ الملكة فيكتوريا، وحتى تيريزا ماي، رئيسة الوزراء السابقة، التي قالت عام 2017، لأصدقاء «اسرائيل» في حزب المحافظين، ان رسالة آرثر بلفور الى البارون دو روتشيلد (وعد بلفور) «من أهم الرسائل في التاريخ، وستحتفل حكومتي بفخر بالذكرى المئوية لصدور الوعد»!

الفيكونت بالمرستون، رئيس الوزراء ابان عهد فيكتوريا، هو من ساند آل روتشيلد في اقامة «احباء صهيون»مستوطنات يهودية في فلسطين منتصف القرن التاسع عشر.

بطبيعة الحال، لنغدن يعلم كيف أن الانكليزي اللورد كارادون هو من وضع الصيغة الملتبسة لقرار مجلس الأمن الدولي، غداة حرب 1967، حتى الآن مازال الخلاف حول تفسير النص الذي مات في خزائن المنظمة الدولية.

هذا اذا أغفلنا دور الأمبراطورية الأميركية، وهي من تتولى ادارة نصف الكرة الغربي اذا لم تكن تدير كل الكرة الأرضية. احتضانها للدولة العبرية لم يبدأ في عهد هاري ترومان. جون آدامز، أول نائب رئيس وثاني رئيس للولايات المتحدة، بعث عام 1816 برسالة الى اليهودي موردخاي مانويل نواه تمنى فيها أن تكون لليهود دولة يهودية في اليهودية (جزء من فلسطين).

ألم يكن الغرب نبي بل اله المنظومات السياسية الحاكمة والتي حوّلت ذلك «الشيء العفن» الى فلسفة حياة في قلب لبنان، وفي قلب المنطقة؟

لماذا لا تكشف الحكومات الغربية هوية الشخصيات اللبنانية الـ 57 منذ عام 1988 وحتى اليوم (رؤساء جمهوريات، رؤساء حكومات، وزراء، نواب).. التي يتردد أن أسماءها أدرجت على لائحة الأنتربول بتهم تحويل لبــنان الذي نتغنى أن اسمه ورد عشرات المرات في الكتب المقدسة الى مغارة علي بابا...

ألم يكن لنغدن ضيف شرف على حفلات الكوكتيل, وحتى على حفلات الزفاف الملكية، التي اقامها أهل الفـساد بالرؤوس العفنة؟ ومتى كان رؤساء الجمهورية، ورؤساء الحكومات، في لبنان، يصنعون بعيداً عن المطابخ الغربية أو عن مطابخ الدمى الغربية في منطقتنا؟

وأنت تغادر، تذكّر أيها المستر لنغدن، أن في قلبك الشيء الكثير من ذلك العفن حتى لو كنت من بلاد الماغناكارتا (الشرعة الكبرى)!