تحدثت معلومات ديبلوماسية، أن هناك برودة فرنسية واضحة حيال الوضع اللبناني، بخلاف ما كانت عليه خلال الأشهر الماضية، بعدما دخلت باريس بشكل لافت على الملف اللبناني من خلال المبادرة التي أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون، وأرفقها بزيارتين متتاليتين إلى بيروت، والأمر عينه لوزير الخارجية جان إيف لودريان، الى مسؤولين آخرين، ولكن منذ أسابيع قليلة، بدأت باريس باعتماد آليات جديدة مغايرة عن السابق حول كيفية تعاطيها مع الوضع اللبناني، وأُرفق ذلك بحملات عنيفة طاولت الطبقة السياسية، محمِّلةً إياها المسؤولية الكاملة لانهيار لبنان. وفي غضون ذلك، فقد شكّل ردّ السفيرة الفرنسية في بيروت آن غريو على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، وبشكل غير مسبوق، دليلاً على عمق الإستياء والإنزعاج الفرنسي تجاه كل الذين عرقلوا المبادرة الفرنسية، ولم يلتزموا بالوعود التي أطلقوها لماكرون يومها.

من هنا، تكشف المعلومات، من قبل متابعي هذه الأجواء، بأن ما قالته السفيرة الفرنسية في السراي الكبير، لم يكن مفاجئاً، باعتبار أنها، وخلال لقاء إجتماعي، قالت بأن بلادها ستغيّر كل النهج الذي كان معتمداً مع لبنان، بحيث أنها سترفع من منسوب عقوباتها في المرحلة المقبلة، وصولاً إلى تجميد أموال «سيدر»، إلى أن تُنفَّذ المبادرة الفرنسية، ولا سيما، الشقّ المتعلّق منها بالإصلاح الإداري والمالي، لذلك، فإن زيارة المسؤول المكلّف لدى فرنسا لتنسيق المساعدات الدولية للبنان السفير بيار دوكان إلى بيروت، وفي هذا التوقيت بالذات، لا تحمل أي مؤشّرات عن معاودة باريس لتزخيم المبادرة الفرنسية، أو أنها مرتبطة بتأليف الحكومة، بل إنما هي للدعم الإنساني،في ضوء ما بلغه لبنان من أزمة إقتصادية غير مسبوقة، فالزيارة تقتصر حول هذا الشقّ، والمساعدات ستقدّم بعد التقرير الذي سيرفعه دوكان إلى الحكومة الفرنسية للمؤسّسات الإنسانية من صليب أحمر وجمعيات خيرية ومجتمع مدني، أي أن هذه العملية ستتم بمنأى وبمعزل تام عن الدولة، وبكل مؤسّساتها، وهذا ما ينسحب على سائر دول الإتحاد الأوروبي ودول عربية وخليجية، مما يؤشّر إلى أن المبادرة الفرنسية، والتي كانت خارطة سياسية لمرحلة جديدة كان من المرتقب أن يسير عليها لبنان، قد تفرملت، وكأنها لم تعد موجودة.

وينقل عن مقرّبين من العاصمة الفرنسية، بأن هذه المبادرة لم تنتهِ، بل ستُرفَق بشروط إضافية في حال أُعيد تحريكها، لا سيما بعد التغيّيرات التي حصلت داخلياً وخارجياً، إضافة إلى تناغم لم يكن متوفراً في السابق بين واشنطن وباريس حول التشدّد تجاه الطبقة السياسية اللبنانية والعقوبات، وهذا أيضاً ما تبدى بشكل واضح من خلال مواقف كبار المسؤولين الغربيين والخليجيين، مما يطرح التساؤلات حول كيفية خروج لبنان من أزماته وكبواته، في ظل هذا الحصار الدولي عليه.

وبناء على هذه الظروف والأجواء المحيطة به، فإن الحلول باتت معروفة، وهي تصنّف بالشروط أكثر مما هي مخارج للحل، وهي تنحصر بشكل خاص في تشكيل حكومة إصلاحية، ولكن حتى الآن كل المسائل عالقة، وليس من أي خرق على خط التأليف والإعتذار، بل المزيد من التصلّب والإنقسامات والخلافات.

وأمام هذه المعضلات، تؤكد أكثر من جهة سياسية، بأن هذا الحصار السياسي والإقتصادي على لبنان سيبقى قائماً، مع اعتماد عزلة تامة على المسؤولين اللبنانيين، إنما سيبقى ويتواصل الدعم الإنساني عربياً وغربياً، وهذا ما ظهر جلياً من خلال الزيارات الأخيرة للموفدين العرب والأوروبيين، وسيستمر مع موفدين آخرين سيصلون لبنان في وقت قريب.