أولوية قائد الجيش «أمن لبنان واللبنانيين» وما يتمّ التوافق عليه يمضي به


لن يفعل الرئيس المكلّف سعد الحريري ما تريده الدول المقرّرة عن لبنان، ويعتذر.. فلو أراد الإعتذار عن التكليف وتشكيل الحكومة لقام بذلك منذ أن تعثّر تأليفها ولم ينتظر حتى تأتي الإملاءات من الدول الخارجية أي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسعودية التي تتحالف حالياً بهدف «إنقاذ لبنان»، على ما تُعلن، ولكن على طريقتها، ومن أجل مصالحها في لبنان والمنطقة. كما أنّها تُروّج الى أنّ اعتذار الحريري بات محسوماً وكأنّ إسم البديل عنه أصبح في جيبها.

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت أنّ قرار اعتذار الحريري لم يُتخذ في بيت الوسط بعد، وأنّ الرئيس المكلّف لن يقوم بتسمية شخصيّة سنيّة بديلة عنه، ما دام لا يزال الأكثر تمثيلاً في طائفته، وهو مؤيّد ومدعوم من دار الإفتاء ومن مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان شخصياً. كما أنّه كان يودّ تنفيذ المبادرة الفرنسية وخارطة الطريق التي وضعتها لإنقاذ لبنان من الأزمة الإقتصادية التي تعصف به، غير أنّ الظروف والمطالب والشروط حالت دون ولادة الحكومة.

وتقول بأنّ المبادرة الفرنسية التي شاء الرئيس إيمانويل ماكرون أن تتحقّق على يد الحريري نفسه كون بلاده تثق به «إبناً عن أب»، أي أنّها استمدّت هذه الثقة من والده الشهيد رفيق الحريري الذي طالما كان صديقاً لفرنسا منذ عهد الرئيس جاك شيراك، لم تسلك طريقها الى التنفيذ رغم المرونة التي أبدتها فرنسا والمهل التي عدّلتها مرّات عدّة للتشكيل. ولعلّ هذا الأمر هو الذي جعلها تُبدّل رأيها اليوم بعد أن أعطت الحريري فرصة التكليف التي دامت منذ 22 تشرين الأول من العام الماضي، وحتى الآن، أي نحو تسعة أشهر من دون أن ينجح في حلحلة العقد التي عرقلت ولادة الحكومة الموعودة، أو حتى في إيجاد بصيص أمل لولادتها قريباً. ولهذا باتت تريد تحديث مبادرتها، بمساندة أميركية وسعودية، بمعزل عن وجود الحريري على رأسها، ما جعل هذه الدول الحليفة تقوم بجوجلة الأسماء السنيّة بهدف اختيار أحدها ممّن يُمكن التوافق عليه بعد اعتذار الحريري لتتمّ تسميته خلال إجراء الإستشارات النيابية المُلزمة من جديد.

ولكن إذا لم يعتذر الحريري من تلقاء نفسه وبملء إرادته، على ما أوضحت الأوساط نفسها، لا يُمكن لأي أحد أو طرف سياسي، أو دولة خارجية تسمية رئيس مكلّف سواه. لهذا فلا اعتذار من دون التوافق مع الرئيس المكلّف نفسه، الذي يدرس منذ مدّة حسابات اعتذاره وحسابات إبقاء ورقة التكليف في جيبه، وعلى أساسها سيتخذ القرار المناسب لمستقبله السياسي، ولمناصريه ومؤيّديه، قبل التفكير بأي مصلحة أخرى.

وبرأيها، إنّ أحد السيناريوهات المطروحة على المدى الطويل، على ما عقّبت، هو بقاء التعطيل حتى نهاية عهد الرئيس ميشال عون، إذ يُمكن للحريري نفسه أن يحكم بعد ذلك، حتى بورقة التكليف. غير أنّه يُمكن خلال هذه الفترة، أن يقوم الحريري بتقديم اعتذاره خلال مهلة أربعة أشهر، ومن ثمّ يجري التوافق على تشكيل «حكومة إنتخابات» خصوصاً إذا ما أصبحت الأحزاب والكتل السياسية متأكّدة من مزاج مناصريها ومؤيّديها، ومن إمكانية عودتها الى المجلس النيابي بالأحجام نفسها. فهذه الحكومة قد تُبصر النور، مع الحريري أو بدونه، خلال الفترة الإنتقالية، قبل وضع لبنان على سكّة التغيير الكامل للنظام عن طريق «المؤتمر التأسيسي» الذي يُطالب به الكثيرون في الداخل والخارج.

وأكّدت أنّه خلال هذه الفترة، ستقف المؤسسة العسكرية الى جانب الشعب اللبناني، على ما تفعل دائماً، رافعةً شعار «أمن لبنان اللبنانيين فوق كلّ اعتبار»، رغم كلّ ما يحصل من مشاحنات داخلية بسبب ارتفاع سعر الدولار الأميركي مقابل الإنخفاض الدراماتيكي للقيمة الشرائية لليرة اللبنانية، وارتفاع أسعار المحروقات والسلع الغذائية وفقدان الأدوية وتزايد نسبة البطالة والفقر وما الى ذلك.

ونفت المصادر نفسها إمكانية حصول انقلاب عسكري وتسلّم الجيش زمام الأمور في البلد وتشكيل حكومة عسكرية، على ما يُطالب البعض في الداخل، كون لبنان ليس معتاداً على الإنقلابات أولاً، ولأنّ قائد الجيش العماد جوزف عون هو من أبرز حلفاء الرئيس عون ثانياً، الأمر الذي يحول دون قيامه بأي أمر من هذا النوع. ولكن إذا حصل اتفاق ما في البلد بين الأحزاب والمكوّنات السياسية بأنّ لا حلّ للأزمة السياسية القائمة، إلّا بتشكيل حكومة عسكرية، فإنّ العماد عون يكون جاهزاً لترؤسها. غير أنّها استبعدت اللجوء الى هذا الخيار لأنّ الطائفة السنيّة و»تيّار المستقبل» سيكونان أول من يعترض عليه كونه ينتزع إحدى صلاحيات رئيس الحكومة السنّي من يدّ الحريري وأي شخصية سنيّة أخرى مرشّحة لرئاسة الحكومة الجديدة.

كذلك فإنّ تعيين العماد عون قائداً للجيش اللبناني، على ما لفتت، حصل وفق الدستور القائم حالياً، وليس وفق الدستور الجديد الذي ينوي البعض وضعه أو التوافق عليه خلال المؤتمر التأسيسي. هذا المؤتمر الذي يتوقّع عقده بعد انتهاء عهد الرئيس عون، لتصحيح بعض الخلل والثغرات التي تشوب «وثيقة الوفاق الوطني» التي أصبحت دستور البلاد منذ العام 1989. كذلك فإنّ الدستور الجديد لن يتضمّن أي إشارة لإمكانية تسلّم الجيش مقاليد الحكم متى عجز المسؤولون عن تشكيل الحكومة، أو إجراء الإنتخابات الرئاسية، أو غير ذلك من الإستحقاقات المهمّة.

ومن هنا، فإنّ أي تكليف أو توكيل للجيش باستلام الحكم، من دون أي أتفاق سياسي داخلي عليه، يُعتبر انقلاباً. وهذا الأمر لم يحصل في لبنان على مرّ تاريخه، إلاّ مرّة واحدة فقط، عندما جرى تشكيل حكومة عسكرية خلال الدقائق الأخيرة من عهد الرئيس أمين الجميّل بتاريخ 22 أيلول 1988 برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، وضمّت ستّة ضبّاط هم الأعضاء في المجلس العسكري. أمّا القائد عون فإنّ مهمّته الأولى والأخيرة حالياً هي الحفاظ على المؤسسة العسكرية وعلى العسكريين، كما على أمن لبنان واللبنانيين، فيما إمكانية «تعيينه رئيساً لحكومة عسكرية» في نهاية عهد الرئيس عون في حال بقيت الأمور على حالهأ، فهي مسألة متروكة لأوانها.