كشفت مؤسسة «غالوب» الأميركية المعنية بإصدار تقارير عن العواطف في دول العالم، أن ٣ دول عربية موجودة في قائمة أكثر ١٠ شعوب شعوراً بالحزن والتوتر في العالم عام ٢٠٢٠ من بين ١٤٥ دولة شملها التقرير، حيث وهذه الدراسة كانت مبنية على خمسة أسس أساسية وهي التوتر، الحزن، الغضب، القلق والألم النفسي.

جاءت دولة العراق في صدارة أكثر الشعوب شعوراً بالحزن والتوتر، وفي تونس، فإن ٤٦٪ من المشاركين في استطلاع الرأي يعيشون السلبية،أما لبنان فقد احتل المركز الثالث برفقة دول أخرى، وقال التقرير إنّ إحساس اللبنانيين بالقلق والغضب والحزن والتوتر والألم النفسي زاد بين عامي ٢٠١٨-٢٠٢٠ بنسبة أكبر من جميع الدول الأخرى، حيث يعيش لبنان حالة من الفوضى لأسباب كثيرة، منها أزمة النفايات المستمرة، وعدم وجود كهرباء بشكل منتظم في المنازل منذ العام ١٩٩٠، وسوء الخدمات الاجتماعية، إضافة إلى الانقسامات السياسية والطائفية والانهيار الاقتصادي وانفجار مرفأ بيروت، وأخيراً تفشي فيروس كورونا.

يعود تاريخ هذه الدراسة الى عام، عام حصل فيه المزيد من المآسي والأزمات في لبنان، فإنهارت العملة الى مستوًى غير مسبوق، دخلت البلاد في عتمة شاملة، توقفت كافة القطاعات، انقطعت المحروقات، واغلقت المرافق الحيوية الأساسية في وجه المواطنين في واحدة من أسوأ الأزمات اقتصادية عالميا منذ القرن ١٩ وفق تصنيف البنك الدولي.

لم تقتصر الأزمة على ذلك، لا بل نجم عنها شهداء! نعم، فمما لا شك فيه أنه بات اليوم يوجد في لبنان فئة جديدة للشهداء ، وهي شهداء لقمة العيش الذين قضوا على محطات البنزين وفي طوابير الذل التي اسفرت عن حوادث سير قاتلة وأمام أبواب المستشفيات أو في المنازل لشح الدواءوالكهرباء للمكنات التي تبقيهم أحياءو لإنعدام الأسرة في المستشفيات وغيرها الكثير.

تعددت أساليب الذل والقهر والموت واحد. يموت من بقي على قيد الحياة من قلة العدل والحق وإنعدام الثقة حتى بين اللبنانيين أنفسهم، إنه مما لا شك فيه أن لبنان بات من أكثر البقع بؤساً على وجه الأرض.

زياد مكنا، شاب لبناني على وشك التخرج من الجامعة اللبنانية كمهندس مدني جاهز لخدمة وطنه، «ولكن أين الوطن الذي اخدم؟» يتساءل مكنا. يعبر الشاب عن تلاشي طموحه منذ ثلاث سنوات، منذ أن إصطدم بواقع سيئ إقتصاديا وإجتماعياً. شارك في «ثورة ١٧ تشرين» راوده أمل بالتغيير ما لبث أن تلاشى بعد أيام بسبب ما أسماه «عسس السلطة» الذي تغلغل بين الثوار وضرب قلب الحراك.

يرى مكنا أن لم يعد هناك مجال للحلم أو حتى لممارسة الحياة الطبيعية، فهو لم يستطع أن يعش حياة الجامعة بسبب الحظر الذي تم فرضه، واختبر العزلة عن اصدقائه، وإضطر اى التقشف كي لا يشكل عبئ إضافيا على والده الذي لا مورد له سوى معاش تقاعدي بات لا يتعدى الأربعين دولارا أميركي. لم تتوقف الضغوطات عند هذا الحد، فشح الدواء شكل مصدر قلق للشاب القلق أصلاً خصوصاً وأن والدته تعاني من إرتفاع في ضغط الدم وعدم إنتظام دقات القلب، وهي بحاجة إلى دواء دائم لم يعد موجود في لبنان، والبديل عنه متوفر لدى من لم يعد بحاجة إليه فقط وليس في الصيدليات.

يقول مكنا «كل شهرين بدنا نعمل برمة على صفحات الفايسبوك لنحاول تأمين الدواء لامي، أو برمة على رفقاتي لشوف من منن أو من قرايبهم مسافر لنوصيه على الدوا». لا يخفي مكنا أن هواجس الحياة الثقيلة في لبنان قد وسوست له بالانتحار، وأنه قد فكر في الامر ولو للحظات، ولكن طرد الفكرة لمجرد المحاربة من أجل والديه فقط.

إن أخطر ما قد يضرب أي مجتمع هو تفشي أفكار الانتحار كسبيل وحيد للخلاص، وفي لبنان يجتمع الكثير من أسباب الانتحار التي اثبتت علمياً ولعل أبرزها الأزمة الاقتصادية، البطالة، العزلة الاجتماعيةوالوحدة التي تفاقمت مؤخراً بشكل كبير كنتيجة أصلاً للوضع الاقتصادي السيئ وتفشي الكورونا. طاقة لبنان في شبابه، وهو كان يعد بلد فتيبطاقاته البشرية التي من المؤكد أنها من أهم العناصر التي يعد توافرها أساسي للنهوض والنجاح، فهل يخسر لبنان هذه الطاقة أيضاً؟ ويتآكل الاكتئاب من لم يتسن له الهجرة أو إيجاد سبيل للخروج من الآف الأزمات التي تحاصره فيقرر إنهاء حياته قبل أوانها؟؟