وفي الشهر التاسع من المخاض الحكومي، أُجهض الجنين فخرج المعنيون يتنصّلون من مسؤوليتهم لتعذر الولادة الحكومية طبيعية كانت او قيصرية، مسدلين الستارة على فصل جديد عنوانه : ماذا بعد!

توقف عداد اللقاءات بين بعبدا وبيت الوسط عند رقم العشرين ، خرج بعدها  سعد الحريري ليعلن من على منبر القصر الجمهوري، حقيقة كان يفترض ان يدركها منذ اليوم الاول على التكليف، ناقلا ما سمعه من رئيس الجمهورية الذي اتاه طالبا ملاحظاته على تشكيلة «رفع العتب» التي رفعها، فاعلنها الحريري : « قال لي الرئيس عون يبدو انو ما رح نقدر نتفق»!

هذه العبارة تلخص كل شيء، فلا ميشال عون يريد سعد الحريري رئيسا لحكومة آخر عهده، ولا سعد الحريري قادر على التعايش مع ميشال عون وجبران باسيل. تأخر الحريري ليدرك هذا الواقع، فكبّد اللبنانيين خسارة تلو الاخرى، فمن دولار ب ٧٠٠٠ عند التكليف الى دولار تخطى للمرة الاولى بتاريح لبنان عتبة  ال٢٣ الفا مع اعلان الاعتذار بعد معاناة ٩ اشهر.

اعتذر الحريري صحيح، وقد يكون رمى مسؤولية التعطيل عنه، ولكن ماذا بعد؟ هل انتهت «الحريرية السياسية» اقله مرحليا مع خروج الحريري من الحلبة الحكومية، وهو على قطيعة مع السعودية؟ وهل المملكة ستعود الى لبنان مع اعتذار الحريري ؟ وما السبيل لعودة سعودية، لا بد ان تقابل ايضا بالضوء الاخضر الحكومي من حزب الله؟

كل هذه الاسئلة مشرّعة على اكثر من جواب، ولعل الاجابات عليها تحتاج لوقت كي تتبلور الصورة، لكن الجديد الذي يمكن الانطلاق منه، ما اعلنه الحريري في مقابلته التلفزيونية بعدما حسم الامر قائلا: «لن نسمي كمستقبل احدا لرئاسة الحكومة المقبلة»! وهنا المشكلة الاساس! فاي سني سيرضى بتكليف بلا غطاء سني؟ وهل نكون امام تكرار لتجربة حكومة حسان دياب؟

على هذا السؤال، ترد مصادر مطلعة على جو الحريري بالقول: بعد كلام الحريري بان «المستقبل» لن يزكي احدا لرئاسة الحكومة، لا نعتقد ان ايا من الشخصيات السنية التي لها ثقلها في الساحة السنية مستعدة للقبول بالمهمة، وتضيف: كيف يمكن ان يقبل احد من «نادي رؤساء الحكومات السابقين» بما لم يقبل به الحريري وحتى لو قبل، فعندئذ يُواجه سنيا في الشارع الذي ينقلب ضده، وتشير المصادر الى انه يبدو حتى اللحظة ان اية حكومة ستتشكل حتى برئاسة اي نائب سني مستقل ستكون هزيلة على شاكلة حكومة حسان دياب.

ولكن ماذا عن هجوم الحريري التصعيدي على حزب الله؟ هنا، تعلق المصادر المطلعة على جو الحريري بالقول: بالامس خرج الحريري من المعادلات،  وبالتالي لم يعد مضطرا لمهادنة حزب الله الذي لم ير منه ايجابية تسهّل مهمته.

بالمقابل، مصادر مطلعة على جو حزب الله، علقت على هجوم الحريري على الحزب بالقول : يظن الحريري بان بهجومه على حزب الله يُرضي السعودية، لكن السعودية تتفاوض اليوم مع سوريا وايران، اضافت : «ماشي الحال هاجمنا بالاعلام ونرد بالاعلام، لكن الاكيد ان العلاقة لن تنقطع ولو عبر وسطاء».

وفي هذا السياق؛ تكشف مصادر مطلعة على جو الثنائي الشيعي بان خطوة الاعتذار كانت طبعا منسقة مع رئيس مجلس النواب، الا ان الحريري اخلّ باتفاقه مع بري على وجوب تأمين البديل قبل الاعتذار، مؤكدة ان حزب الله وكل البلد كان في جو اعتذار الحريري، لكن لا التوقيت، وتوضح المصادر ان السيناريو التكتيكي الذي كان معدا هو ان يتأخر جواب رئيس الجمهورية للحريري على تشكيلته الاخيرة لامتصاص «قنبلة مقابلته واعتذاره»، الا ان ما حصل ان الرئيس عون لم يحتمل كلام الحريري باعطائه مهل، فاعطاه الجواب الرافض مباشرة.

وتشير المصادر الى انه كان واضحا ايضا، ان الحريري اراد ان يحسم تحايل الرئيس عون على الوقت، فطلب موعدا ليرمي الكرة بوجهه مع رسالة مبطنة مفادها: «روح شكل اذا فيك»!

الا ان اسراع الرئيس عون بحسم القرار، خلافا للسيناريو الذي كان معدا سلفا، ارجعته مصادر خاصة الى ما دار  في اللقاء الذي جمعه بالسفيرتين الاميركية دوروثي شيا والفرنسية ان غريو قبيل لقاء الحريري، وهنا تكشف المصادر ان السفيرتين طلبتا موعدا من بعبدا، فاعطيتا موعدا في اليوم الثاني من زيارة الحريري التي كانت مرتقبة بعد ظهر الخميس، الا انهما اصرتا على ان يكون الموعد قبيل زيارة الحريري اي قبل ظهر الخميس وهذا ما حصل.

وتختم المصادر بالقول: قد يكون ما سمعه الرئيس عون من السفيرتين، هو الذي دفعه للتسريع باعطاء الجواب للحريري، علما ان اوساطا بارزة من خارج دائرة بعبدا تكشف ان السفيرتين طلبتا من الرئيس عون التوقيع على التشكيلة، الا ان طرفا آخر تدخل ليحسم الرئيس القرار باخراج الحريري من الحلبة الحكومية.

ولكن من البديل في ظل كلام الحريري عن عدم تزكية احد؟ تجيب مصادر مطلعة على جو الثنائي الشيعي: هنا المشكلة، فالسفير مصطفى اديب رفض مرة جديدة  والرئيس تمام سلام تمت مفاتحته بامكان ترؤس حكومة الا انه رفض ايضا ، اما «المرشح الوحيد ولكن الصعب» بحسب تعبير المصادر فهو نجيب ميقاتي، وهنا تشرح المصادر ان ميقاتي لديه مجموعة شروط يطالب بها، ابرزها حصوله على دعم الحريري ورؤساء الحكومات السابقين ودار الفتوى بطبيعة الحال، والاهم بحسب ما تكشف المصادر، ان ميقاتي لا يريد ان يكون فقط رئيس حكومة انتخابات على قاعدة «مش شغلتي اعملكن انتخابات بس» ، انما يريد ان يضمن انه يبقى رئيسا للحكومة حتى ما بعد الانتخابات.

رغم كل هذه الشروط الصعبة، تؤكد المصادر ان ميقاتي» بيمشي» اذا توفرت له حاضنة اقليمية واسعة اساسها اميركي – فرنسي – سعودي، وبالتالي اذا اعطيت له العباءة السنية – السعودية، فيصبح الامر احتمالا كبيرا، علما ان الجو السعودي من نجيب ميقاتي لا يزال ضبابيا.

اما عين التينة التي شكلت الحاضنة والراعي الاساس لسعد الحريري، فيخالف مصدر مطلع على جوها كل ما قيل من ان الرئيس بري عاتب على الحريري، ليؤكد ان هذا الكلام غير دقيق ومبالغ فيه، وبري كان في جو ان الاعتذار هو الغالب عند الحريري الذي سيحاول القيام بمحاولة خرق اخيرة.

اما عن كلام الحريري بانه لن يسمي احدا كبديل عنه، فيعلق المصدر بالقول: من الطبيعي ان يقول الحريري هذا الكلام ، لاسيما ان الاعتذار كان بنت ساعته ولا تزال الامور متشنجة، لكن في النهاية هناك قرار كبير «بدو يتاخد»، ليضيف: يبدو ان الدول تريد انتخابات وحكومة انتخابات.

اما على خط بعبدا التي تتوجه لها الانظار بعدما اعلن بيان مكتبها الاعلامي الخميس ردا على كلام الحريري، ان الرئيس عون سيحدد موعدا قريبا للاستشارات، فتؤكد مصادر مطلعة على جوها بان لا شيء محددا بعد لمسار الاستشارات، مشيرة الى ان الاعتذار حصل الخميس، ودوائر القصر لم يتسن لها القيام باي جديد، فالجمعة والسبت والاحد عطلة وكذلك عيد الاضحى اي الثلاثاء والاربعاء والخميس ؛ وبالتالي تقول المصادر، ان هناك استحالة لاي استشارات قبل عطلة الاضحى، والارجح ان تتجه الامور لتتوضح بعد عطلة الاضحى.

وتضيف المصادر انه من اليوم وحتى ما بعد الاضحى اي بعد ٢٦ الشهر الحالي، سيكون هناك  مشاورات بين الكتل واتصالات ومواقف لاختيار البديل عن سعد الحريري ، فلننتظر، ويبدو ان لا موعد للاستشارات قبل العيد.

وعلم في هذا السياق، ان الحريري اجرى امس سلسلة اتصالات خارجية مع دول عربية واقليمية ليضعها بجو الاسباب التي دفعته للاعتذار، الا ان اي تواصل لم يسجل في المقابل، اقله حتى كتابة هذه السطور بين بعبدا وعين التينة بعد اعتذار الحريري.

وبحسب المعلومات، فسيكون هناك كلمة مرتقبة لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالساعات المقبلة يتحدث فيها عن مجمل التطورات الحكومية والاسباب التي دفعت بالامور لبلوغ مرحلة الاعتذار!