لم يكن يُفترض أن يُبقي الرئيس سعد الحريري ورقة التكليف في جيبه لتسعة أشهر إلاّ أسبوعاً واحداً ليقدّم بعد ذلك الإعتذار عن تشكيل الحكومة. فعدم قدرته على التأليف بسبب عدم حصوله على الضوء الأخضر من دول الخارج، أو على التوافق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم يظهرا كأمرين طارئين أخيراً، بل كانا واضحين للعيان منذ أول تشكيلة قدّمها الحريري للرئيس عون ورفضها مباشرة، فيما انتظر الحريري ردّه الرسمي عليها لأشهر ضاعت هباء، لأنّ الرئيس عون لم يغيّر موقفه منها. فهل سيؤدّي اعتذار الحريري الذي ترافق مع قطع الطرقات وحرق الدواليب في أحياء العاصمة من قبل بعض مناصريه ومؤيّديه الى حلّ الأزمة السياسية من خلال اختيار بديل عنه لتشكيل الحكومة الجديدة، أم سيوصل لبنان الى المزيد من الفراغ السياسي، والى تفاقم الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية أكثر فأكثر؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ الحريري أخطأ مرات عدّة، الأولى من خلال استقالته بعد أيّام من انطلاق انتفاضة 17 تشرين في العام 2019، تلبية لمطالب الشعب الثائر، على ما أعلن حينها من دون استشارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان يعقد معه تسوية رئاسية، والثانية من خلال عدم تشكيل حكومة تُرضي الطرف الآخر، وعدم تكرار محاولة التشكيل خلال الأشهر التسعة الماضية سوى مرتين أو ثلاث من دون أي تغيير يُذكر لوجهة نظره «الفردية» في التأليف. والمرّة الثالثة عندما لجأ الى بعض دول المنطقة مثل الإمارات وتركيا ومصر لتلقّي الدعم منها، في الوقت التي لا تستطيع أي منها الحلّ والربط في لبنان، والمرّة الأخيرة من خلال تقديم اعتذاره عن التشكيل بعد يوم واحد من تقديم تشكيلته الأخيرة للرئيس عون، بعد أن حدّد شرط الحصول على الجواب عليها من رئيس الجمهورية في غضون 24 ساعة، ليعود فيطيل المدّة يوماً آخر بعد اجتماعه الأخير به في حال كان الرئيس بحاجة إليه. والمشكلة لم تكن بفرضه هذا الشرط، بل بوضعه ورقة التكليف في جيبه لنحو 9 أشهر، وعتبه على الرئيس عون الذي لجأ الى مجلس النوّاب لسحب ورقة التكليف منه، في الوقت الذي لم يُعط تشكيلته الأخيرة فرصة النقاش والتشاور بشأنها مع الرئيس عون سوى يوماً واحداً.

وتقول الاوساط بأنّه بعد تعثر الحريري في التشكيل بعد 16 لقاء عقد بينه وبين عون، دعاه الرئيس عبر خطاب متلفز الى اجتماع عاجل في قصر بعبدا من أجل التأليف الفوري للحكومة بالإتفاق معه ووفق الآلية والمعايير الدستورية المعتمدة في تأليف الحكومات دون تأخير، وردّ الأخير بقبول الدعوة وعُقد اللقاء الـ 17 بينهما في آذار الماضي دون أن يُفضي الى أي نتيجة. وأعلن الرئيس عون آنذاك أنّ «رئيس الوزراء المكلّف تقدّم بعناوين مسودة حكومية لا تُلبّي الحدّ الادنى من التوازن الوطني، ما أدخل البلاد في نفق التعطيل». ودعاه مذّاك «في حال وجد نفسه عاجزاً عن تأليف حكومة إنقاذ وطني أن يُفسح المجال أمام كلّ قادر على التأليف». رغم ذلك عاد الحريري الخميس، بعد أشهر من القطيعة مع رئيس الجمهورية الى بعبدا، قام خلالها بزيارات عدّة الى دول المنطقة للحصول على دعم بقائه «رئيساً مكلّفاً»، وقدّم مُجدّداً تشكيلة لا تُراعي ما طالبه به رئيس الجمهورية وفق الدستور.

من هنا، بدا واضحاً أنّ الحريري لا يريد التشكيل، على ما أضافت الاوساط ، وأنّ الرئيس عون لا يريده رئيساً للحكومة الجديدة كونه يود التشكيل على هواه من دون التشاور والتنسيق معه. وأشارت الى أنّ أي من الرجلين لم يستطع استعادة الثقة المفقودة بينهما طوال الفترة الماضية كون الأداء لم يتغيّر. وفي مطلق الأحوال، فإنّ استقالة الحريري بعد انتفاضة 17 تشرين التي أراد منها «التميّز» عن سائر الطبقة السياسية التي طالبت الإنتفاضة بسقوطها وفق شعار «كلّن يعني كلّن»، أتت في التوقيت الخاطىء وغير المناسب، وكذلك اعتذاره الأخير يوم الخميس الفائت، رغم تمنّي الدول العربية منه ودول المنطقة التي زارها، لا سيما مصر التي اجتمع برئيسها عبد الفتّاح السيسي قبل ساعات من تقديمه التشكيلة للرئيس عون في قصر بعبدا، عدم الإعتذار وإبقاء ورقة التكليف بيده ومحاولة التشكيل وتذليل العقبات والعراقيل التي تقف أمامها.

وبرأي الاوساط ، إنّ الحريري سار على معايير غير قائمة في الدستور الحالي، بل تصرّف وفق نظام جديد موجود في خياله، أو يبغي أن يُقرّ في الدستور المنتظر الذي لم يتمّ التوافق على وضعه بعد، ولهذا لم يتمكّن من إرضاء الرئيس عون. في الوقت الذي يُصرّ فيه رئيس الجمهورية على تطبيق الدستور والتقيّد بالصلاحيات المعطاة فيه لكلّ من الرجلين.

ولكن بعد اعتذار الحريري، هل من إسم جاهز للتكليف، تُجيب الأوساط عينها، بأنّ الجميع يأمل أن يدعو رئيس الجمهورية الى استشارات نيابية فوراً، لا سيما فرنسا على ما أعلن وزير خارجيتها جان إيف لودريان، لتكليف شخصية سنيّة أخرى، مع رفض الحريري لتسمية أي بديل عنه بعد اعتذاره. والمعلوم أنّ أسماء عدّة طُرحت قبل اعتذار الحريري منها نجيب ميقاتي وفؤاد المخزومي وفيصل كرامي، أو أي سفير سنّي للبنان في الخارج قد ينزل إسمه بـ «الباراشوت»، على غرار إسم سفير لبنان في برلين مصطفى أديب، بغض النظر عن موقف هذه الشخصيات من الترشّح لهذا المنصب أم لا.

وترى الأوساط ذاتها بأنّ أي إسم سيتمّ طرحه لن يتمكّن من التشكيل إذا لم يحصل على الضوء الأخضر من الخارج، وعدم اكتفاء هذه الأخيرة بإعلان المواقف والمطالبة بضرورة تأليف حكومة جديدة فوراً من دون وجود نيّة فعلية لديها لولادة حكومة في لبنان. ولهذا تجد الاوساط بأنّ أي فريق سياسي، أكان «تيّار المستقبل» أو أي طرف سنّي آخر من دون أن يضع شروطاً للتسمية تقوم على ضرورة دعم الحكومة الجديدة من الداخل والخارج، وإعطائها «ورقة على بياض» لتنفيذ بعض الإصلاحات واسترجاع ثقة المجتمع الدولي بلبنان والبحث مع الصناديق لوقف الإنحدار الإقتصادي والمالي، ومن ثمّ التحضير للإنتخابات النيابية المقبلة التي يُفترض أن تبدأ من آب حتى آذار المقبلين، لن ينجح في هذه المهمّة.