للمرة الثانية يفعلها الرئيس سعد الحريري، هو الذي قدم استقالته عقب «ثورة تشرين» في العام 2019، يقدم اعتذاره عن تشكيل حكومةٍ إنقاذية في تموز من العام 2021 . هو نفسه يدرك أن اتخاذ هكذا قرار، ومن دون أن يُخبر أصدقاءه أو على الأقل حلفاءه، سيُسقطه سياسياً حتى إذا عمِل بكل ما أوتي من قوة من أجل أن يُبقيَ أبواب بيته السياسي مفتوحاً.

الحريري الذي وجّه صفعةً للفرنسيين ولمبادرتهم من جهة، ولمبادرة الرئيس نبيه بري من جهةٍ أخرى، وفتح النار على حزب الله الذي كان داعماً خلال المراحل الصعبة، والذي لا يزال حتى هذه الساعة يلتزم السكوت وعدم الرد على ما قاله، لا لشيء لكنه كعادته يفضل كظم غيظه، و يستوعبُ الآخرين رغم كل الألم ورغم كل الأذى، لكن الحريري بالمقابل غازل السعودية التي لم و لن ترحمه لا الآن  ولا في المستقبل.

على صعيدٍ آخر، يبدو أن المرحلة تتعدى الإفلاس السياسي لتصل الى الإفلاس الإقتصادي والمعيشي، هذا الإفلاس الذي سيطال كل الطبقات الإجتماعية دون إستثناء مما سيزيدُ من هلاك الشعب اللبناني ككل دون أن يراعي ظروفاً إقتصادية ومالية لأحد.

فقد أفادت معلومات مؤكدة لمرجعيةٍ كبيرة بأن العقوبات الأمريكية ليست عقوبات فردية، بل جماعية إذ إنها ستطال المجتمع اللبناني برمته، وأضافت هذه المرجعية بأن دولةً خليجيةً كبرى كانت على تماس دائم مع طائفةٍ كبرى وداعمةً أساسيةً لها، وتشتكي هذه المرجعية من عدم دعمها حتى للمراكز الدينية التي كانت تدعمها وتمدها بالمال سابقاً و بشكل دائم، خاصةً فيما يتعلق بالإصلاحات والبنى التحتية لهذه الأماكن الدينية . وقد تبادلت هذه المرجعية الحديث معَ مرجعيةٍ لطائفة أخرى خلال خلوةٍ خاصة عُقدت بينهما حول الوضع و اشتكت هذا الأمر بشكلٍ واضح، وأكدت أن لها عتبٌ كبيرٌ على المملكة السعودية لما تقوم به من محاسبة وعقاب جماعي، مضيفةً أنه لو كان لا بدّ من  عقاب لشخص ما،  فلا يجوز أن يمتد لطائفة بأكملها.

ويضيف المصدر أن تسمية رئيسٍ للحكومة وتشكيلها من الممكن أن يكون بعد التعيينات التي ينوي العهد تسميتها، وهي من خارج البيوتات السياسية المتعارف عليها أو الزعماء التقليديين، وبالتالي هناك طرحٌ لبعض الأسماء  و منها فؤاد المخزومي  المعروف بتقربه من العهد و جواد عدرا  الذي يمتلك المركز الدولي للمعلومات، مع التأكيد على أن تكون التسمية لرئيس الحكومة من خارج «نادي الحكومات السابقين» وبعيدٌ كل البعدِ عن الهيمنة السياسية أو الحريرية السياسية.

لا أُفق ولا حلول للأزمة الإقتصادية في لبنان، ليس لأن لا خطط إقتصادية مدروسة قد طرحت، ولا لعدم وجود خبراء في الإقتصاد يستطيعون حل الأزمة الراهنة، لكن الأمر بات معروفاً، أميركا تُريدُ من لبنان وشعبه أن يرفعَ القبعةَ لها، وأن يباشر في ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي، وهي لا زالت تناور حتى هذه اللحظة، وستفعلُ كل ما بوسعها حتى تضغط على الشعب، فالحربُ العسكرية لم تجدِ نفعاً مع اللبنانيين،  أما الحربُ اليوم فهي حربٌ إقتصاديةٌ معيشيةٌ وستشتدُ يوماً بعد يوم طالما أن هناك قرارٌ من الإدارة الأميركية بذلك وتواطؤ إقليميٌ يتمثل بدعمٍ سعودي، و مساعدة بعض من في الداخل الحاقد، سيما عبّاد المال و حيتان السياسة الذين تغلغلوا وانغمسوا في الفساد. 

بموازاة هذا المشهد ها هي فرنسا فتحت عينها على النفط والغاز اللبناني الذي بات يشكّلُ دافعاً حقيقياً لها للإستمرار في المشاورات مع كل القوى السياسية من أجل أن يكون لها موطىء قدمٍ  في لبنان، و من أجل إعادة مجدها الذي كان واضحاً خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي عندما كانت الدولة الحنون تنتدبُ لبنان.

أما الحديثُ عن التوجه شرقاً وتحديداً الى روسيا والصين، فهو اللعب بالنار كما تراه أميركا، لذلك لا مجال و لا إمكانية لقبول المساعدات وتلزيم الشركات الروسية والصينية من أجل عدم عودة العجلة الإقتصادية للعمل بشكلٍ طبيعي، و تجويع الشعب وإفقاره بشكلٍ سيؤدي الى أن «تأكل الناس بعضها البعض»، و مع هكذا جو تنعمُ السفيرة الأميركية شيا بالهدوء وراحة البال، وتناظر وتحاضر بالعفة أمام اللبنانيين من أجل شحنِ فئةٍ منهم، كما يستريحُ الديوان الملكي في السعودية الذي قرر أن ينظر بعين الرقيب لما جرى ويجري دون أن يتدخل إلا بتمويل البعض من أجل القيام بأعمال شغبٍ هنا وهناك وتشاركه في ذلك أميركا .

للأسف الكثير من الناس معرّضون للموت من الآن وصاعداً، و سيموتون لأنهم لن يجدوا حبة دواء لأنها صارت حكراً على الطبقة الغنية. لا مكان للعيش في لبنان لأصحاب الدخل المحدود، إن لم نقل الممسوح و للفقراء المسحوقين الذين زاد فقرهم والذين يفضلون حتماً الموت على الحياة في ظل هذا الإنهيار الكبير.

الأيام القادمة هي أيامُ عجافٍ وفقرٍ وعوز، و المعركة الإقتصاديةُ ستودي للمزيد من الأزمات، إن لم يتم القيام بخطواتٍ فعالة تقلبُ الواقع كله. وأمام هذا التخبط السياسي الحاصل يبقى الرهان على ما ستؤول اليه الظروف المقبلة  والتي ستشهدُ التبدلات في أولوية أولويات المرحلة الجديدة القادمة.