لا غرابة في أن يتصل رجب طيب اردوغان باسحق هيرتسوغ الذي ترعرع على يدي أم ملطختين بدم العرب حين كانت ضابطة في الهــاغاناه ابان حرب 1948 ...

الاتصال للتهنئة برئاسة الدولة، وللتباحث في تفعيل العلاقات، بعدما أشار، في كلام سابق الى التنسيق المتواصل بين الاستخبارات التركية و»الموساد».

متى لم يكن سلطان بني عثمان حاخام بني عثمان؟ كما لو أن عراب الحرب في سوريا كان ينفذ، بدقة، دعوة زئيف جابوتنسكي، قبل مائة عام، الى «نزع أنياب ذئاب الشمال»أي (السوريين)، ليعترف معلقون أتراك بأن الورقة السورية سقطت من يده بدخول دمشق في منظومة استراتيجية يستحيل كسرها .

أما الغرابة، فهي في تنصيب نفسه خليفة على المسلمين، مع قناعة مفكرين، وفقهاء، بعيدين عن التأويل الميكانيكي للنص، بأن الاسلام دين كوني، ولم يقل لا بالدولة الاسلامية، ولا بدولة المسلمين . منذ بداية طريقه الى الباب العالي، قال اردوغان «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، المصلون جنودنا ...».

لطالما لعب في الشقوق، ظناً منه أنه بتلك السياسات البهلوانية، يعيد احياء السلطنة . رهانه على النيوانكشارية أي على «الاخوان المسلمين»، وهم البلاء العظيم منذ أن أسس حسن البنا، بذهنية الحثالة، عام 1928، تلك الجماعة التي متى لم تكن عربة الآلهة لا عربة الله ؟

الأحداث أثبتت أن السلطنة، حتى كمفهوم تاريخي، ماتت الى الأبد . بذلك الغباء القاتل، اعتقد الرئيس التركي أن استيلاء «الاخوان» على السلطة في دمشق، بعد استيلائهم عليها في القاهرة، سيفتح أمامه كل الأبواب، من الفسطاط الى القيروان، ومن البيت العتيق في مكة الى عشق آباد، مروراً بطشقند وحتى بالشيشان، قبل أن تقفل الأبواب، الواحد تلو الآخر، في وجهه .

حتى أن المفكر الفرنسي أوليفيه روا لاحظ أنه افتعل الصدام مع الاليزيه، قبل أن يتراجع ويعتذر، ظناً منه أنه يستجلب من لا يزالون يشعرون بالانكسار بسبب مقتل عبد الرحمن الغافقي على يد شارل مارتل (مطرقة الله كما وصفه البابا)، في معركة بواتييه، عام 1356، والتي وضعت حداً للمد الاسلامي في القارة العجوز .

عشية اهتزازات كبرى في خارطة الصراع، الكل يتعامل مع العرب كظاهرة عدمية . الفيلسوفة الأميركية، التركية الأصل، سيلا بن حبيب، وقد حذرت من التداعيات الدراماتيكية لـ»اليأس الحضاري»، سألت «من يرث الشرق الأوسط بعد الرحيل (أو بعد الغروب) الأميركي: الأتراك أم الايرانيون أم «الاسرائيليون» أم الأحباش ؟» .

سيلا تعتبر أن السياسات القبلية للعرب «قتلت الروح الفلسطينية». لم تعد فلسطين أكثر من ورقة تكتيكية «في يد المصابين بعاهات ايديولوجية أو بعاهات تاريخية».

بشراسة انتقدت « المسار الملتبس» لياسر عرفات الذي ألقى بالبندقية، وحتى بالحجارة، جانباً، وحمل غصن الزيتون، دون أن يمتلك روحية الثائر الذي لا يلقي بورقة القوة الى الرمق الأخير . كان مجرد لاعب في الزوايا الى أن قضى على البقية الباقية من القضية تحت الثلوج (والورود) الاسكندنافية، كما لو أنه كان يفاوض الملائكة لا حملة السكاكين!

في نظرها، محمود عباس ليس أكثر من نسخة باهتة، وبائسة، عن ياسر عرفات، لتسأل «أين هم الفلسطينيون الآن» ؟ . حتى أن الحرب الأخيرة بين غزة و»اسرائيل» انتهت بتكريس ستاتيكو غامض، دون أن تؤدي، ولو الى رفع جزئي للحصار .

الفيلسوفة التي تستقطب النخب الجامعية الأميركية تدعو الفلسطينيين الى استعادة القضية من منظمة التحرير التي لم تعد أكثر من تركة بيروقراطية . استعادتها أيضاً من كل الأيدي الأخرى التي تعبث بها، وتحاول استخدامها لأغراض لا تمت بصلة الى جوهر هذه القضية، قبل أن تسأل اردوغان (وهي المولودة في اسطنبول) : أين أنت يا خليفة المسلمين ؟

تستبعد أن تنتقل المنطقة، في وقت قريب، من «السلة الأميركية» الى «السلة الصينية». تبدي دهشتها لأن بلدان المنطقة لم تفكر يوماً بأن تحكم نفسها بنفسها . من أجلها نستعيد قول محمد الماغوط لنا «لم يعد لنا سوى أحذيتنا تدب على الأرض» !